استشراف لمآلات مواجهة إيران مع أمريكا وإسرائيل

نبهان خريشة

مارس 2, 2026 - 10:41
استشراف لمآلات مواجهة إيران مع أمريكا وإسرائيل

نبهان خريشة

في مشهد دولي بالغ التعقيد، تتجه الأنظار نحو تداعيات الضربات العسكرية الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في تطور دراماتيكي ينذر بإعادة تشكيل الشرق الأوسط برمته. إن استشراف مآلات هذه الحرب يكشف عن احتمالية ألا تكون مجرد جولة عنف عابرة، بل بداية مرحلة جديدة قد تمتد تداعياتها لسنوات، خصوصاً مع إعلان القيادة في تل أبيب وأهدافها المعلنة التي تتجاوز الردع إلى تغيير النظام في طهران . يبدو المشهد الحالي مهيأً لأن تكون الحرب مفتوحة زمنياً، ليس فقط بسبب ضخامة الأهداف المعلنة، بل أيضاً بسبب طبيعة الرد الإيراني الذي لم يتأخر، واستهدف بشكل فوري ومتزامن قواعد أمريكية ومصالح غربية في عمق الخليج العربي والأردن، مما يشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة استنزاف متبادل قد تطول مدته .
بالنسبة لإسرائيل، فإن انعكاسات هذه الحرب تحمل مفارقات استراتيجية كبرى. فبينما يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فيها فرصة تاريخية "لتغيير وجه المنطقة" وتصفية حسابات استراتيجية مع طهران وحلفائها، تواجه المؤسسة الإسرائيلية الداخلية تحديات وجودية لا تقل خطورة . فحالة الاستنفار القصوى واستهداف العمق الإسرائيلي بوابل من الصواريخ الإيرانية ستعيد إلى الواجهة أسئلة صعبة حول فاعلية الردع والجبهة الداخلية. والأكثر إلحاحاً، أن استمرار الحرب لأسابيع إضافية قد يطيح بالاستقرار السياسي الهش، حيث يضع الكنيست الإسرائيلي أمام مهلة مستحيلة لإقرار الموازنة العامة في خضم المعركة، مما قد يؤدي تلقائياً إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة في وقت تتطلب فيه الحرب جبهة موحدة، وهنا يكمن المأزق .
أما على مستوى توسع الصراع إقليميا، فإن الساعات الأولى تؤكد أن الحرب قد تجاوزت بالفعل الحدود الإيرانية الإسرائيلية لتتحول إلى اشتباك إقليمي واسع. إيران، التي أطلقت على عمليتها اسم "الوعد الصادق 4"، وسعت دائرة الاستهداف لتشمل قواعد أمريكية في قطر والبحرين والإمارات والكويت، مستخدمة أوراق قوتها في إطار "وحدة الساحات" . هذا التطور يضع الدول الخليجية والعربية، التي تضم قوات أمريكية على أراضيها، في مرمى النيران مباشرة، مما يصعب عليها الحياد ويدفع المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة، خصوصاً مع إعلان الحوثيين استئناف هجماتهم في البحر الأحمر وانخراط فصائل عراقية في المواجهة . هذا التوسع هو الذي يقلق إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تنظر إلى المصالح الأمريكية بعين براغماتية باردة. فمن وجهة نظر إدارة ترامب، التي أعلنت مؤخراً عن إستراتيجية دفاعية تركز على "أمريكا أولاً" وتعيد النظر في الأولويات بعيدا عن الشرق الأوسط لصالح مواجهة الصين وروسيا في نصف الكرة الغربي، فإن الانزلاق في وحل حرب إقليمية طويلة الأمد مع إيران سيكون بمثابة كابوس استراتيجي . صحيح أن الهدف المعلن هو إسقاط النظام، لكن إدارة ترمب تدرك أن إيران ليست خصماً تقليديا؛ فهي قادرة على تحويل الحرب إلى مستنقع يستنزف القوات الأمريكية والقواعد المنتشرة في المنطقة، ويؤدي إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع جنوني في أسعار النفط يضرب الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن . ولذلك فإن التردد الأمريكي الذي ظهر في الأيام التي سبقت الضربات يعكس قلقا حقيقيا من أن يتحول النصر العسكري السريع في السماء إلى هزيمة استراتيجية على الأرض .
إن التساؤل حول إمكانية هزيمة إيران عسكرياً هو الأكثر إثارة للجدل. فبينما تستهدف الضربات الأمريكية والإسرائيلية مراكز القيادة والحرس الثوري والمنشآت النووية، فإن هزيمة النظام لا تعني بالضرورة انهياره . التجارب السابقة تثبت أن الأنظمة الأيديولوجية قد تتماسك تحت الضغط، خصوصا إذا استطاعت تحويل المعركة إلى حرب دفاع وطني. لكن السيناريو الأكثر ترجيحا في حال استمرت الضربات ونجحت في قطع رأس القيادة، هو الدخول في مرحلة من الفوضى العارمة، حيث تتنازع فصائل الحرس الثوري وبقايا النظام والمعارضة المسلحة على السلطة في طهران . وفي هذه الحالة، فإن الخارطة الجيوسياسية للمنطقة ستشهد تحولا جذرياً، ليس باتجاه الاستقرار، بل باتجاه فراغ كبير قد يملأه التطرف والنزاعات الأهلية، ويغير موازين القوى بشكل غير مسبوق، لصالح إسرائيل وحلفائها في المدى القصير، لكنه سيفتح أبواب جهنم على مصراعيها في المدى البعيد، لتجد الولايات المتحدة نفسها وجهاً لوجه أمام مسؤولية إعادة بناء بلد بحجم إيران، في وقت تريد فيه الانسحاب من الشرق الأوسط . المنطقة تقف اليوم على حافة الهاوية، والرهان الآن على قدرة الأطراف على التحكم بجذوة حرب أثبتت ساعتها الأولى أنها لن تبقى ضمن القفص.