الخط الثالث للكهرباء في طولكرم.. من إنهاء أزمة مزمنة إلى بوابة للأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية

إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

أغسطس 18, 2026 - 08:49
الخط الثالث للكهرباء في طولكرم.. من إنهاء أزمة مزمنة إلى بوابة للأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية

الخط الثالث للكهرباء في طولكرم.. من إنهاء أزمة مزمنة إلى بوابة للأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
بعد نحو أربعة عشر عاماً من الانتظار والمعاناة، دخلت مدينة طولكرم مرحلة جديدة في ملف الكهرباء مع تشغيل الخط الثالث، في إنجاز طال انتظاره ويشكل محطة مهمة في مسار معالجة العجز التاريخي في القدرة الكهربائية التي عانت منه المدينة على مدار سنوات.
ولا تكمن أهمية المشروع في مجرد إضافة خط جديد إلى شبكة الكهرباء، وإنما في تعزيز قدرة منظومة التغذية ورفع مستوى الاعتمادية والاستقرار، بما يخفف الضغط عن الخطين القائمين ويمنح المدينة قدرة أكبر على مواجهة الطلب المتزايد، خصوصاً خلال فترات الذروة في الصيف والشتاء.
وتبلغ القدرة الفعلية للخط الثالث، وفق المعطيات المتداولة حول المشروع، 350 أمبير على الجهد المتوسط، وهي قدرة إضافية ذات أهمية كبيرة عندما تكون جزءاً من منظومة التغذية الرئيسية للمدينة. ومن المهم هنا التوضيح أن الأمبير على شبكات الجهد المتوسط لا يمكن مقارنته مباشرة بالأمبير المستخدم في المنازل على جهد 220 فولت، لأن الخط الجديد يعمل ضمن منظومة كهربائية رئيسية مخصصة لتغذية أحياء ومنشآت ومحولات توزيع.
أربعة عشر عاماً من أزمة الكهرباء
لم تكن أزمة الكهرباء في طولكرم مجرد انقطاعات عابرة، بل تحولت على مدى سنوات إلى مشكلة بنيوية ارتبطت بتزايد عدد السكان والتوسع العمراني والاقتصادي، مقابل محدودية القدرة الكهربائية المتاحة.
وكانت ذروة الأزمة تظهر بصورة واضحة في أشهر الصيف والشتاء، عندما يرتفع الاستهلاك نتيجة استخدام أجهزة التكييف والتدفئة، فتتعرض الشبكة لضغوط كبيرة تضطر معها الجهات المختصة إلى اللجوء إلى فصل الأحمال والمداورة بين المناطق والأحياء.
وقد انعكست هذه الأزمة على مختلف القطاعات؛ فالمواطن كان يتحمل أعباء الانقطاع، والمنشآت التجارية والصناعية كانت تواجه خسائر تشغيلية، فيما كانت المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية تحتاج إلى حلول بديلة لضمان استمرار عملها.
ومن هنا، فإن تشغيل الخط الثالث يمثل أكثر من معالجة تقنية؛ إنه استثمار في استقرار المدينة واقتصادها وخدماتها الأساسية.
ماذا يعني الخط الثالث اقتصادياً؟
الكهرباء هي أحد أهم مقومات النشاط الاقتصادي الحديث. فالمصنع يحتاج إلى طاقة مستقرة، والمحل التجاري يحتاج إلى تبريد وإنارة، والمستشفى يحتاج إلى كهرباء مستمرة، كما أن قطاع الاتصالات والمياه والصرف الصحي والخدمات الرقمية يعتمد بصورة مباشرة على استقرار منظومة الطاقة.
وعليه، فإن تحسن موثوقية الكهرباء في طولكرم يمكن أن ينعكس على بيئة الأعمال والاستثمار، ويقلل من الخسائر الناتجة عن توقف المعدات والأجهزة، ويخفض الاعتماد على المولدات ومصادر الطاقة البديلة خلال فترات الانقطاع.
كما أن استقرار الكهرباء يمنح المنشآت الصغيرة والمتوسطة قدرة أفضل على التخطيط والإنتاج، ويعزز فرص التوسع الصناعي والتجاري، وهو أمر بالغ الأهمية لمحافظة تتمتع بقاعدة اقتصادية متنوعة وتحتاج إلى استثمارات جديدة وفرص عمل إضافية.
الاستقرار لا يعني الاكتفاء
ومع أهمية الإنجاز، فإن الموضوعية تقتضي القول إن تشغيل الخط الثالث ليس نهاية ملف الكهرباء في طولكرم، وإنما بداية لمرحلة جديدة.
فالمدينة والمحافظة بحاجة إلى استكمال منظومة البنية التحتية الكهربائية، وفي مقدمتها تطوير محطات التحويل وشبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة المحولات، ومعالجة نقاط الاختناق، واستيعاب الزيادة المستقبلية في الطلب.
وهنا تبرز أهمية مشروع محطة التحويل الكهربائية الاستراتيجية في طولكرم، باعتباره خطوة مكملة للخط الثالث، ويمكن أن يشكل عند إنجازه نقلة نوعية في قدرة المحافظة على تأمين احتياجاتها الحالية والمستقبلية من الطاقة.
فالخط الثالث يوفر قدرة إضافية مهمة، لكن الاستدامة تتطلب وجود منظومة متكاملة تبدأ من مصادر التغذية وتمتد إلى محطات التحويل وشبكات التوزيع وصولاً إلى المستهلك النهائي.
الطاقة والاستقلال الاقتصادي
أزمة الكهرباء في طولكرم تحمل درساً فلسطينياً أوسع: لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة من دون أمن طاقي.
لقد أظهرت التجربة أن الاعتماد على مصادر محدودة للتغذية يجعل المدن عرضة لأزمات متكررة، ولذلك فإن الاستراتيجية الفلسطينية المستقبلية يجب أن تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز القدرة الذاتية على إنتاجها ونقلها وتوزيعها.
ويشمل ذلك التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية، واستثمار الإمكانات المتاحة في مجال الطاقة المتجددة، وتطوير شبكات النقل الوطنية، ودراسة وتوسيع فرص الربط الكهربائي مع الأردن والدول العربية المجاورة بما يخدم المصلحة الفلسطينية ويعزز التكامل الاقتصادي العربي.
كما أن الانتقال إلى الطاقة المتجددة يمكن أن يوفر على المدى الطويل جزءاً من فاتورة الطاقة، ويخلق فرصاً استثمارية جديدة في مجالات الإنشاء والصيانة والتكنولوجيا والتشغيل.
المطلوب بعد الخط الثالث
إن نجاح مشروع الخط الثالث يجب أن يكون حافزاً لتسريع تنفيذ المشاريع الكهربائية الأخرى، لا سبباً للتراخي.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى خطة واضحة تتضمن:
أولاً: الإسراع في استكمال محطة التحويل الاستراتيجية في طولكرم.
ثانياً: تحديث شبكة التوزيع الداخلية بما يتناسب مع القدرة الإضافية التي وفرها الخط الثالث.
ثالثاً: إعداد خطة طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار النمو السكاني والعمراني والصناعي للمحافظة.
رابعاً: التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة.
خامساً: تعزيز الربط الكهربائي العربي، وفي مقدمته الربط مع الأردن.
سادساً: بناء منظومة أكثر كفاءة لإدارة الأحمال والطلب، بما يضمن عدم عودة المشكلة بصورة جديدة بعد سنوات.
إنجاز يستحق التقدير.. ومسؤولية للمستقبل
إن تشغيل الخط الثالث بعد سنوات طويلة من الانتظار يستحق الإشادة بكل الجهود التي بذلت للوصول إلى هذه المرحلة، وفي مقدمتها جهود بلدية طولكرم، والشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء، وسلطة الطاقة والجهات الفنية والرسمية، وكل الطواقم التي عملت على إنجاز المشروع وتجاوز العقبات التي رافقته.
لكن قيمة الإنجاز الحقيقية ستقاس بقدرته على فتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التنمية.
فالكهرباء ليست مجرد خدمة تقدم للمواطن، بل هي شرط أساسي للإنتاج والاستثمار والصناعة والصحة والتعليم والتكنولوجيا. وكل تحسن في استقرار الطاقة يعني فرصة إضافية للاقتصاد المحلي كي ينمو ويتوسع.
ومن هنا، فإن تشغيل الخط الثالث ينبغي أن يمثل نقطة انطلاق نحو رؤية أوسع عنوانها أمن الطاقة والاستقلال الاقتصادي، بحيث تتحول طولكرم من مدينة عانت طويلاً من عجز الكهرباء إلى نموذج في تطوير البنية التحتية للطاقة وربطها بالتنمية الاقتصادية.
وبعد أربعة عشر عاماً من الانتظار، فإن الرسالة الأهم ليست أن مشكلة الكهرباء أصبحت من الماضي بصورة نهائية، وإنما أن طولكرم دخلت مرحلة جديدة ينبغي البناء عليها.
فالخط الثالث أنهى مرحلة من الاختناق، لكن التحدي الحقيقي هو أن تتواصل الجهود لإنجاز محطة التحويل، وتطوير شبكة النقل والتوزيع، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الربط الكهربائي العربي، وصولاً إلى منظومة طاقة فلسطينية أكثر استقراراً وكفاءة واستقلالاً.
إن إنجاز الخط الثالث يجب ألا يكون نهاية الطريق، بل بداية طريق جديد نحو أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية المستدامة في طولكرم وفلسطين.
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة