المقال الأسبوعي السادس
أنماط التفكير وخصائصها
المقال الأسبوعي السادس
أنماط التفكير وخصائصها
حسن أبو العيلة
2/10/2026
في المقال الأسبوعي الخامس تناولت مفهوم تغيير التفكير والسلوك من جوانب متعددة ، وتطرقت إلى تعريف كل منهما لغوياً واصطلاحياً ومعرفياً ، كما جرت العادة في هذه السلسلة.
وأشرت في نهاية المقال إلى أن مقال الأسبوع السادس سيكون استكمالاً للفكرة ، من خلال تناول عدد من أنماط التفكير ، والتي سأحاول عرضها بإيجاز قدر المستطاع ، دون أن يفقد المحتوى قيمته العلمية والمعرفية.
وقد سألني بعض الأصدقاء ، هل تعتقد أن المقالات الطويلة ما زالت مشجعة على المتابعة في عصر السرعة وكثرة المشتتات ، وما انعكس عن ذلك على قدرتنا على التركيز والمتابعة ؟ وكان في السؤال إشارة إلى أن الجهد المبذول في الكتابة قد لا يقابله القدر نفسه من القراءة والمتابعة.
وكانت إجابتي أن إحداث التغيير المرغوب يحتاج إلى الوقت والصبر والإيمان بالمنهج والغاية ، ويحتاج كذلك إلى من يؤمن به من قادة السياسة والمجتمع والمؤسسات.
فالتغيير لا يحدث بالسهولة التي ننتقل بها ، بضغطة زر ، بين التشغيل والإيقاف ، وإنما هو عملية تراكمية قد تمتد لسنوات ، وقد تعبر مراحل وأجيالاً مختلفة قبل أن تظهر نتائجها بوضوح.
وتقدم تجربتنا الفلسطينية أمثلة متعددة على التحولات التي مرت بها أجيال متعاقبة ، بين الهزيمة والنهوض والمقاومة والعمل الشعبي والمؤسساتي ، وما رافق ذلك من تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية. وقد عايش جيلنا محطات مختلفة ، من انطلاقة الثورة ، وما رافقها من مد ثوري ، إلى تجربة الحركة الطلابية والشبيبة ، والانتفاضة الأولى ، ثم تجربة السلطة وما أعقبها من تحولات في الواقع السياسي والمجتمعي والنضالي.
والمقصود من ذلك أن تغيير التفكير والسلوك المجتمعي لا يحدث فجأة ، وإنما يتراكم عبر التجربة والتعلم والتحولات التي تمر بها المجتمعات.
وبالعودة إلى موضوع المقال ، سأعرض ثلاثة أنماط من التفكير أرى أنها من أكثر الأنماط أهمية ، ويمكن التوسع في أنماط أخرى في مقالات لاحقة ، وهي:
أولاً... التفكير الإبداعي.
ثانياً ... التفكير الاستراتيجي.
ثالثاً ... التفكير النقدي.
أولاً ... التفكير الإبداعي
التفكير الإبداعي لا يعني فقط إنتاج أفكار جديدة لم يسبق إليها أحد ، وإنما يعني أيضاً القدرة على النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة ، وربط الأفكار بطرق غير معتادة ، والبحث عن حلول وبدائل جديدة للمشكلات القائمة.
والتفكير الإبداعي ليس حكراً على فئة محددة من الناس ، فالكثير من مهاراته يمكن تنميتها من خلال التعلم والتدريب والممارسة والانفتاح على الخبرات المختلفة.
وتشير الأدبيات المتعلقة بالإبداع إلى أهمية المرونة المعرفية ، وتوليد بدائل متعددة ، ثم تقييم هذه البدائل واختيار الأنسب بينها ، وهو ما يجعل الإبداع عملية تجمع بين توليد الأفكار واختبارها وتطويرها.
ومن أهم الممارسات التي تساعد على تنمية التفكير الإبداعي ...
ابدأ بالسؤال: لماذا؟ وكيف؟
لا تتعامل مع كل ما حولك باعتباره من المسلمات.
اسأل ، لماذا يحدث هذا ؟ وهل توجد طريقة أفضل ؟ وكيف يمكن تطوير الطريقة الحالية؟
فالسؤال الجيد قد يكون بداية فكرة جديدة.
انظر إلى المشكلة من أكثر من زاوية
عندما تواجه مشكلة ، لا تنظر إليها بالطريقة نفسها التي اعتدت عليها دائماً .
حاول أن تراها من وجهة نظر أخرى ، واسأل
ماذا لو تعاملت معها بطريقة مختلفة؟
فأحياناً يكون الحل موجوداً أمامنا ، لكننا لا نراه لأننا نبحث عنه بالطريقة ذاتها في كل مرة.
لا ترفض الفكرة بسرعة
قد تبدو بعض الأفكار في بدايتها غريبة أو غير واقعية ، لكن لا تتسرع في رفضها.
وثق أفكارك أولاً ، ثم عد إليها بالتقييم والتطوير ، فقد تكون الفكرة البسيطة بداية لفكرة أكثر نضجاً وإبداعاً .
وسّع دائرة معرفتك
كلما اتسعت معرفة الإنسان وخبرته ، ازدادت قدرة عقله على الربط بين مجالات وأفكار مختلفة.
اقرأ في مجالات متنوعة ، وتعلم مهارات جديدة ، واستفد من تجارب الآخرين ، فقد تأتي فكرة جديدة من معلومة لم تتوقع يوماً أن تستخدمها في المجال الذي تعمل فيه.
اربط بين مجالات مختلفة
كثير من الأفكار الإبداعية تنتج من الجمع بين عناصر موجودة أصلاً ولكن بطريقة جديدة.
هل يمكن استخدام فكرة من مجال آخر لحل هذه المشكلة؟
جرّب ولا تنتظر الفكرة المثالية
لا تجعل البحث عن الفكرة المثالية يمنعك من البدء.
جرّب ، واختبر ، وأخطئ ، وعدّل ، ثم حاول مرة أخرى.
فالتجربة تمنحنا معرفة يصعب الوصول إليها بالتفكير النظري وحده.
امنح عقلك مساحة من الهدوء
العقل يحتاج أحياناً إلى مساحة بعيداً عن الضوضاء وكثرة المشتتات.
ابتعد لبعض الوقت عن الهاتف والمنبهات المستمرة ، واجلس مع أفكارك ، وسجل ما يخطر ببالك دون أن تحكم عليه مباشرة.
وثق أفكارك
لا تعتمد على الذاكرة وحدها.
احتفظ بملاحظاتك وأفكارك ، حتى لو بدت صغيرة أو غير مكتملة ، فقد تعود إليها لاحقاً وتكتشف أنها تصلح لتصبح مشروعاً أو حلاً أو فكرة مميزة.
تعلم من الخطأ
الخطأ لا يعني أن التفكير قد فشل.
بعد كل تجربة ، اسأل
ماذا تعلمت؟ وما الذي يمكنني تغييره في المرة القادمة؟
فعندما يتحول الخطأ إلى مصدر للتعلم ، يصبح الإنسان أكثر استعداداً للتجربة واكتشاف طرق جديدة.
حافظ على فضولك
الفضول أحد المحركات المهمة للتفكير الإبداعي.
اسأل ، وابحث ، وجرّب ، واكتشف ، ولا تتوقف دائماً عند أول إجابة.
فكل سؤال جديد قد يقود إلى فكرة جديدة.
خلاصة التفكير الإبداعي
▪️ التفكير الإبداعي ليس مجرد امتلاك عدد كبير من الأفكار ، وإنما القدرة على رؤية الاحتمالات ، وربط الأفكار ، وتجربة البدائل ، ثم تحويل الفكرة المناسبة إلى واقع.
▪️ لا تنتظر أن تأتيك الفكرة العظيمة فجأة ، درّب عقلك يومياً على أن يسأل ويلاحظ ويجرب ويبحث عن طريقة مختلفة.
فربما تكون الفكرة التي تبحث عنها أمامك بالفعل ، لكنها تحتاج فقط إلى أن تنظر إليها من زاوية أخرى .
ملاحظة: استند جزء من المفاهيم والتعريفات الواردة في المقال إلى مصادر ودراسات علمية ذات صلة.
مقال الأسبوع القادم بعنوان
نمط التفكير الاستراتيجي والنقدي



