إخطارات الهدم في كفر صور والأغوار والقدس: مسؤولية دولية وحقوقية في مواجهة التغول

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أغسطس 18, 2026 - 08:23
إخطارات الهدم في كفر صور والأغوار والقدس: مسؤولية دولية وحقوقية في مواجهة التغول

إخطارات الهدم في كفر صور والأغوار والقدس: مسؤولية دولية وحقوقية في مواجهة التغول
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تتطلب إخطارات الهدم التي تطال عددًا من منشآت المواطنين في كفر صور، بالتوازي مع أعمال الهدم والإخلاء التي تطال الفلسطينيين في الأغوار والقدس ومناطق أخرى من الضفة الغربية، تحركًا عاجلًا على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية والإسرائيلية، لأن القضية لم تعد تتعلق بحالات فردية متفرقة، وإنما بمسار يستوجب التدقيق القانوني والحقوقي، خصوصًا عندما تمس الإجراءات حق الإنسان في السكن والملكية والأمان والعيش على أرضه.
إن مناشدة مجلس قروي كفر صور والأهالي للجهات الرسمية والحقوقية بوقف إخطارات الهدم يجب ألا تبقى في إطار المناشدات المحلية. فكل إخطار هو إنذار مسبق بخطر قد يتحول إلى هدم وإخلاء وتهجير، ولذلك فإن التدخل القانوني في المرحلة المبكرة أكثر فاعلية وأقل كلفة من انتظار تنفيذ القرار ثم محاولة معالجة آثاره.
وتتضاعف خطورة المشهد عند ربط ما يجري في كفر صور بما تشهده الأغوار والقدس من هدم وإخلاء وقيود على البناء واستخدام الأرض. فالمعيار الذي ينبغي اعتماده ليس عدد المنشآت المستهدفة فقط، بل طبيعة السياسة والإجراءات المتراكمة وتأثيرها على قدرة الفلسطينيين على البقاء والاستقرار وممارسة حقوقهم الأساسية.
مسؤولية المنظمات الحقوقية داخل إسرائيل
وفي هذا السياق، تقع مسؤولية خاصة على عاتق المنظمات الحقوقية داخل إسرائيل، التي تمتلك الخبرة القانونية والمعرفة بالنظام القضائي الإسرائيلي والقدرة على الوصول إلى المحاكم والمؤسسات الرسمية. ومن واجبها الحقوقي، وفق مبادئ حقوق الإنسان التي تنادي بها، أن تتحرك بصورة جدية ومستقلة ضد أي إجراءات حكومية تمس حقوق المدنيين الفلسطينيين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى المنظمات الحقوقية الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان، ومنها منظمة "بتسيلم" وغيرها من المؤسسات الحقوقية والقانونية، وكذلك المؤسسات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة التمييز والتهجير، لتوثيق ما يجري في كفر صور والأغوار والقدس، ونشر الحقائق أمام الرأي العام الإسرائيلي والدولي، وتقديم الدعم القانوني للمتضررين حيثما أمكن، والطعن في القرارات والإجراءات التي يمكن الطعن فيها أمام القضاء المختص.
فالعمل الحقوقي الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند إصدار التقارير والبيانات، وإنما يجب أن يتحول إلى تحرك قانوني ومؤسسي: تقديم الاعتراضات، إعداد الملفات، اللجوء إلى المحاكم، طلب التدابير القضائية العاجلة عند توافر شروطها، ومساءلة الجهات المسؤولة عن أي انتهاك للقانون.
كما أن على هذه المنظمات، بصفتها جهات حقوقية مستقلة، أن تضع الرأي العام الإسرائيلي أمام حقيقة أساسية: حماية حقوق الفلسطينيين ليست قضية سياسية فحسب، وإنما قضية قانونية وأخلاقية تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان التي يفترض أن تكون عالمية وغير قابلة للتجزئة.
إن الدفاع عن حق الفلسطيني في الحياة، وفي السكن، وفي الملكية، وفي أرضه، لا يتناقض مع الأمن، بل إن حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون هي جزء من منظومة الأمن والاستقرار الحقيقيين. أما تحويل الأمن إلى مبرر مفتوح لإجراءات الهدم والإخلاء والتضييق، فيهدد بتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
لا حصانة للإجراءات تحت ذريعة الأمن
ومن المهم في هذه المرحلة التحذير من أي توسع في الإجراءات الأمنية تحت ذرائع عامة أو غير محددة. فحتى عندما تستند السلطات إلى اعتبارات أمنية، تبقى الإجراءات خاضعة لمبادئ الضرورة والتناسب والرقابة القضائية، ولا يجوز أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى غطاء لتدابير تمس حقوق الإنسان بصورة جماعية أو تؤدي إلى اقتلاع السكان من بيئتهم وأرضهم.
ومن هنا، فإن القضاء الإسرائيلي نفسه، والمنظمات الحقوقية والمحامون والمؤسسات المدنية، أمام مسؤولية تاريخية في اختبار مدى احترام الإجراءات الحكومية للقانون، وعدم التعامل مع حقوق الفلسطينيين باعتبارها هامشًا يمكن تجاوزه كلما ارتفعت لغة الأمن.
مسؤولية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته. فالمطلوب من ممثل الأمم المتحدة والمؤسسات الأممية المختصة متابعة إخطارات الهدم وأعمال الهدم والإخلاء، وتوثيقها ورفع التقارير بشأنها، بينما ينبغي لمجلس حقوق الإنسان استخدام الآليات المتاحة له لمتابعة الانتهاكات وآثارها على المدنيين.
كما أن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي مطالبتان بتحرك عاجل ومنسق، وطرح الملف أمام المؤسسات الدولية، والعمل على عقد جلسات عاجلة لبحث الإجراءات الأحادية التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا في ظل المخاوف من توسعها وتكريسها كأمر واقع.
كما ينبغي للدول وممثليها وبعثاتها الدبلوماسية ألا تكتفي بالمراقبة، بل أن تستخدم الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتاحة للضغط من أجل وقف الإجراءات التي تهدد حقوق المدنيين، وأن تدعم آليات المساءلة والتوثيق.
أما مجلس الأمن، فينبغي أن يتحمل مسؤوليته في بحث التداعيات السياسية والأمنية والقانونية لهذه الإجراءات، فيما يتعين على مجلس حقوق الإنسان التعامل معها بوصفها مسألة حقوق إنسان وحماية للمدنيين، لا مجرد خلاف سياسي.
المطلوب فلسطينيًا: من رد الفعل إلى المبادرة
إن المرحلة الراهنة تفرض على الجهات الرسمية الفلسطينية الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة. المطلوب قاعدة بيانات وطنية موحدة لإخطارات الهدم وأوامر الإخلاء، وفرق قانونية وهندسية متخصصة، وتوثيق دقيق لكل حالة، ومتابعة قضائية فورية، ورفع الملفات بصورة منظمة إلى المؤسسات الدولية.
فالمواطن في كفر صور أو الأغوار أو القدس لا ينبغي أن يواجه منفردًا منظومة إدارية وقانونية وأمنية معقدة. حماية المواطن تبدأ بتوفير الغطاء القانوني له، وتنتهي بتحويل كل حالة إلى ملف وطني ودولي موثق.
إن القضية في جوهرها ليست قضية جدران وأسقف فقط، وإنما قضية الإنسان وحقه في الحياة والأرض والسكن والملكية والكرامة. ولذلك فإن كل جهة حقوقية، داخل إسرائيل أو خارجها، مطالبة بأن تضع هذه المبادئ موضع التطبيق، لا أن تكتفي بالتشخيص.
إن ما يجري في كفر صور والأغوار والقدس يستوجب تحركًا عاجلًا قبل أن تتحول الإخطارات إلى عمليات هدم، وعمليات الهدم إلى إخلاء، والإخلاء إلى تهجير، والتهجير إلى واقع ديموغرافي جديد.
وفي مواجهة هذا المسار، فإن المسؤولية مشتركة: الجهات الفلسطينية مطالبة بالتحرك، والمنظمات الحقوقية الإسرائيلية مطالبة بممارسة دورها القانوني والإنساني، والأمم المتحدة مطالبة بالحماية والتوثيق، والمجتمع الدولي مطالب بالموقف والمساءلة، والدول العربية والإسلامية مطالبة بالتحرك السياسي والدبلوماسي.
فحقوق الإنسان لا تتجزأ، والقانون لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية الضحية، وحماية حق الفلسطيني في الحياة وفي أرضه ليست منحة من أحد، وإنما قضية قانونية وإنسانية ينبغي أن تكون في صلب أي تحرك جاد لمنع تغول السلطة والإجراءات الأحادية وتحويلها إلى أمر واقع دائم.
بقلم: المحامي علي أبوحبلة