كهرباء فلسطين بين إنجاز الخط الثالث واستحقاق الاستقلال للطاقة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
كهرباء فلسطين بين إنجاز الخط الثالث واستحقاق الاستقلال للطاقة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
بعد نحو أربعة عشر عاماً من المعاناة، أُعلن في طولكرم تشغيل «الخط الثالث» ورفع القدرة الكهربائية المغذية للمدينة، في إنجاز مهم طال انتظاره، ويستحق الإشادة بكل الجهود التي بذلتها بلدية طولكرم، والشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء، والطواقم الفنية والهندسية، والجهات الرسمية وفرق الارتباط الفلسطينية، وكل من أسهم في إزالة العقبات التي حالت طوال سنوات دون إنجاز هذا المشروع.
فالإنجاز لا يقاس فقط بتشغيل خط كهربائي، وإنما بما يعنيه ذلك لمئات الآلاف من المواطنين والقطاعات الاقتصادية والخدمية، وبما يوفره من قدرة أكبر على مواجهة أحمال الذروة وتحسين استقرار التيار الكهربائي. ومن الإنصاف التأكيد أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلاً، فقد بدأ العمل على المشروع منذ عام 2013، وتعاقبت عليه مجالس بلدية وجهات رسمية وفنية عديدة، إلى أن تكللت الجهود أخيراً بالنجاح.
غير أن الاحتفاء بهذا الإنجاز ينبغي ألا يحجب السؤال الأهم: هل يمثل الخط الثالث نهاية أزمة الكهرباء في طولكرم، أم أنه خطوة أساسية على طريق حل أكثر شمولاً واستدامة؟
إذا استغرق الخط الثالث أربعة عشر عاماً.. فماذا عن الخط الرابع؟
هذا السؤال ليس موجهاً للنقد أو الانتقاص من الجهود المبذولة، وإنما هو سؤال تخطيطي واستراتيجي تفرضه طبيعة النمو السكاني والعمراني والاقتصادي في طولكرم ومحافظتها.
فالمدينة تتوسع، والضواحي تنمو، والطلب على الكهرباء يرتفع، والقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية تحتاج إلى طاقة مستقرة وقابلة للتوسع. وبالتالي، فإن الاكتفاء بمعالجة العجز القائم يعني احتمال العودة إلى الأزمة نفسها بعد سنوات.
ولهذا فإن الإعلان عن التوجه لإنشاء محطة تحويل طولكرم بإدارة وإشراف الشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء يجب أن يتحول إلى مشروع ذي أولوية، ضمن جدول زمني واضح وتمويل محدد وخطة تنفيذية معلنة، بحيث لا يتكرر سيناريو الانتظار الطويل الذي رافق الخط الثالث.
فالسياسة الصحيحة ليست أن ننتظر وصول الشبكة إلى حدود قدرتها ثم نبحث عن الحل، وإنما أن نخطط اليوم لاحتياجات الغد.
الكهرباء ليست ملفاً خدمياً فحسب
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الكهرباء ليست مجرد خدمة بلدية أو قضية فنية، وإنما هي عنصر أساسي من عناصر الأمن الاقتصادي والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
فالمصانع لا تعمل دون كهرباء مستقرة، والمستشفيات والمراكز الصحية تحتاج إلى طاقة مستمرة، ومحطات المياه والصرف الصحي والاتصالات والجامعات والمدارس والقطاع التجاري والزراعي كلها مرتبطة باستقرار منظومة الطاقة.
ومن هنا، فإن أزمة الكهرباء تؤثر بصورة مباشرة في القدرة التنافسية للاقتصاد الفلسطيني، وترفع كلفة الإنتاج والاستثمار، وتضعف فرص التنمية.
وهذا يقودنا إلى جوهر المشكلة: استدامة الكهرباء الفلسطينية لا يمكن أن تقوم على معالجة النقص في خطوط التزويد فقط، وإنما تحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة لأمن الطاقة.
الانفكاك الاقتصادي يبدأ من الطاقة
الحديث عن الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل يجب ألا يبقى في إطار الشعارات السياسية، بل ينبغي أن يتحول إلى استراتيجية عملية تدريجية، تقوم على بناء البدائل الفلسطينية والعربية.
وقطاع الطاقة يأتي في مقدمة القطاعات التي ينبغي أن تكون جزءاً من هذه الاستراتيجية.
فكلما ازدادت قدرة فلسطين على إنتاج الكهرباء محلياً، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وإنشاء محطات التحويل والتخزين، والتوسع في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة، تراجعت درجة الاعتماد على الخارج، واتسعت مساحة القرار الاقتصادي الفلسطيني.
ولا يعني ذلك أن الانفكاك يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، فالجغرافيا والواقع السياسي والاقتصادي يفرضان تحديات كبيرة، لكن البديل ليس الاستسلام للواقع، وإنما بناء القدرة الفلسطينية تدريجياً على تغييره.
الربط الكهربائي مع الأردن.. خيار استراتيجي
وفي هذا السياق، ينبغي إيلاء الربط الكهربائي الفلسطيني–الأردني أهمية استراتيجية خاصة، ليس باعتباره بديلاً فنياً فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من رؤية عربية أوسع للأمن الطاقي والتكامل الاقتصادي.
فالأردن يشكل امتداداً طبيعياً وعمقاً عربياً لفلسطين، والربط الكهربائي بين البلدين يمكن أن يفتح المجال أمام تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز موثوقية الشبكة الفلسطينية، وتوفير بدائل إضافية في حالات الطوارئ وأحمال الذروة.
والأهم أن الربط الكهربائي يمكن أن يكون نواة لتعاون اقتصادي أوسع، يضم الطاقة والتجارة والنقل والمياه والصناعة والزراعة والاستثمار.
وهنا تبرز أهمية أن تكون العلاقات الفلسطينية مع الأردن ودول الجوار العربي قائمة على التكامل الاقتصادي والمصالح المتبادلة، وليس فقط على المساعدات والمنح.
نحو شبكة طاقة عربية مترابطة
إن فلسطين ليست جزيرة اقتصادية معزولة، بل جزء من منظومة عربية أوسع يمكن أن تستفيد من إمكانات التكامل الإقليمي.
ومن الضروري التفكير في ربط فلسطين بالشبكات الكهربائية العربية المتاحة والممكنة، وفق الإمكانات الفنية والسياسية والقانونية، وتعزيز التعاون مع الأردن ومصر وسائر الدول العربية القادرة على الإسهام في بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً وأماناً.
كما يمكن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة والاستثمار العربي في فلسطين، خصوصاً مشاريع الطاقة الشمسية والتخزين، بما يساهم في خلق سوق طاقة أكثر استقراراً، ويخفف فاتورة الاستيراد، ويدعم الاقتصاد الفلسطيني.
إن التكامل الاقتصادي العربي لا ينبغي أن يبقى عنواناً سياسياً؛ فالكهرباء والطاقة والمياه والنقل والاتصالات تمثل المجالات الأكثر قابلية لتحويل هذا التكامل إلى مشاريع ملموسة.
المطلوب ألا ننتظر أزمة جديدة
الخط الثالث في طولكرم يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة، لا خاتمة لملف الكهرباء.
فالمطلوب الآن وضع خطة واضحة تستشرف احتياجات المحافظة لعشرين عاماً على الأقل، وتحدد احتياجاتها من خطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع، وتربط ذلك بالتوسع العمراني والصناعي والسكاني.
كما ينبغي تسريع إنشاء محطة تحويل طولكرم، ووضع تصور مبكر للخطوط المستقبلية، بما فيها الخط الرابع، وعدم انتظار وصول الطلب إلى مرحلة الاختناق.
وفي الوقت ذاته، فإن تطوير الطاقة الشمسية ومشاريع التوليد اللامركزي والتخزين يجب أن يصبح جزءاً أصيلاً من استراتيجية الكهرباء الفلسطينية.
إنجاز يستحق التقدير.. ومسؤولية تستحق الاستمرار
إنصافاً للجهود المبذولة، فإن تشغيل الخط الثالث بعد سنوات طويلة من العمل يمثل إنجازاً يستحق التقدير والإشادة. ويجب أن يُنسب هذا النجاح إلى كل من عمل على المشروع وتابعه وصبر على تعقيداته، من بلدية طولكرم إلى الشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء والكوادر الفنية والهندسية والجهات الرسمية وفرق الارتباط وكل أصحاب العلاقة.
لكن الإنجاز الحقيقي لا يكتمل بمجرد تشغيل الخط.
فالنجاح في مشاريع البنية التحتية يقاس بقدرتها على الاستمرار والتوسع ومواكبة المستقبل.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الاحتفال بالخط الثالث هو: ماذا بعد؟
متى تُنجز محطة تحويل طولكرم؟ ومتى نبدأ التخطيط للخط الرابع؟ وما حجم الطاقة التي يمكن إنتاجها محلياً؟ وكيف يمكن تسريع الربط الكهربائي مع الأردن؟ وكيف نحول العلاقات مع الأردن ودول الجوار العربي إلى شراكة اقتصادية متكاملة في الطاقة وغيرها من القطاعات؟
من الخط الثالث إلى الاستقلال الطاقي
لقد علّمتنا تجربة طولكرم أن مشاريع الكهرباء لا تحتمل التأجيل الطويل، وأن النمو السكاني والاقتصادي أسرع من الإجراءات البيروقراطية.
ومن هنا، فإن تشغيل الخط الثالث ينبغي أن يكون نقطة انطلاق نحو استراتيجية فلسطينية لأمن الطاقة تقوم على أربعة مسارات متوازية: تطوير الشبكة الوطنية، وزيادة الإنتاج المحلي، والتوسع في الطاقة المتجددة والتخزين، وتعزيز الربط والتكامل الكهربائي والاقتصادي مع الأردن والدول العربية.
فإذا كانت فلسطين تريد فعلاً تحقيق الانفكاك الاقتصادي، فإن عليها أن تبدأ من القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطن واقتصاد الدولة، وفي مقدمتها الكهرباء.
إن استقلال القرار الاقتصادي يحتاج إلى استقلال نسبي في مصادر الطاقة، وتنويع خيارات التزويد، وبناء شراكات عربية حقيقية.
ولهذا فإن الخط الثالث في طولكرم ليس نهاية الطريق؛ بل يجب أن يكون بداية الطريق نحو شبكة كهرباء فلسطينية أكثر قوة واستقلالاً، مرتبطة بعمقها العربي، وقادرة على تلبية احتياجات المواطن والاقتصاد الفلسطيني لعقود قادمة.
والتحدي الآن ليس فقط أن نحافظ على ما تحقق، وإنما أن نبني عليه، حتى لا نجد أنفسنا بعد سنوات نسأل السؤال ذاته: إذا كان الخط الثالث قد استغرق نحو أربعة عشر عاماً، فكم سننتظر حتى يأتي الخط الرابع؟
إن التخطيط للمستقبل يبدأ من اليوم، والاستقلال الاقتصادي يبدأ من القدرة على تأمين الطاقة، والتكامل العربي الحقيقي قد تكون الكهرباء واحدة من أهم بواباته.



