بين التوجيه والحوار: ما الذي كشفه صعود حسن حميدان؟
محمد قاروط أبو رحمه
بين التوجيه والحوار: ما الذي كشفه صعود حسن حميدان؟
محمد قاروط أبو رحمه
ملخص: المواطن لا يبحث عن موقف يتبناه، بل عن إطار يفهم من خلاله العالم
لم يعد نجاح أي محلل سياسي في الفضاء الإعلامي العربي مسألة عابرة أو مرتبطة بمهارة فردية فقط، بل أصبح مؤشرًا على تحولات أعمق في علاقة الجمهور بالإعلام، وفي طبيعة الخطاب السياسي السائد. وفي هذا السياق، يبرز صعود بعض المحللين، ومنهم حسن حميدان، كظاهرة تستحق التوقف، ليس لفهم ما يقولونه فقط، بل لفهم لماذا يُستمع إليهم أصلًا.
المسألة هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بقدر ما تتعلق بالفراغ الذي يملؤه. فالجمهور. العربي اليوم لم يعد يفتقر إلى المعلومة؛ الأخبار متدفقة، والمنصات متعددة، والوصول إلى الحدث لحظي. لكن ما ينقص هو الفهم: السياق، الربط، والتفسير. وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين خطابٍ يُوجّه، وخطابٍ يُحاور.
في كثير من الأحيان، يتعامل الخطاب الإعلامي العربي مع الجمهور باعتباره متلقيًا يجب إقناعه أو توجيهه، لا شريكًا في التفكير. تُقدَّم المواقف بصيغة نهائية، وتُختزل القضايا المعقدة في ثنائيات حادة، ويغيب الشرح لصالح الشعارات. في مثل هذا المناخ، لا يُطلب من المواطن أن يفهم، بل أن يصطف.
في المقابل، ينجح بعض المحللين لأنهم، بغض النظر عن مواقفهم، ومن موقفنا من مواقفهم، يقدمون ما يفتقده هذا الخطاب: تفسيرًا يبدو مترابطًا، وسردية واضحة، ولغة أقرب إلى الشرح منها إلى الإملاء. هم لا يكتفون بإخبار الجمهور بما يحدث، بل يحاولون الإجابة عن سؤال: لماذا يحدث؟ وكيف يرتبط بما قبله وما بعده؟
هذا التحول من “التوجيه” إلى “الحوار” هو ما يمنح الخطاب قوة تأثيره. فالجمهور لا يبحث فقط عن موقف يتبناه، بل عن إطار يفهم من خلاله العالم. وحين يغيب هذا الإطار في الإعلام المحلي، يصبح البحث عنه خارج حدوده أمرًا طبيعيًا.



