هدم المنازل والممتلكات الفلسطينية بين الأوامر العسكرية وقواعد القانون الدولي وحق التقاضي أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
هدم المنازل والممتلكات الفلسطينية بين الأوامر العسكرية وقواعد القانون الدولي وحق التقاضي أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
تطرح عمليات هدم المنازل والممتلكات الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ولا سيما تلك التي تنفذها قوات الاحتلال بموجب أوامر أو مناشير عسكرية، سؤالاً قانونياً جوهرياً يتجاوز مشروعية القرار العسكري في ذاته: هل تملك سلطة الاحتلال صلاحية مطلقة في هدم الممتلكات المدنية، أم أن هذه الصلاحية مقيدة بقواعد القانون الدولي الإنساني، ومبادئ الضرورة العسكرية والتناسب، وحق المتضرر في الاعتراض واللجوء إلى القضاء؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل عمليات الهدم التي طالت مناطق فلسطينية عدة، ومنها مخيما طولكرم ونور شمس، حيث لا ينبغي التعامل مع تدمير المنازل والممتلكات باعتباره واقعة مادية منفردة، وإنما باعتباره فعلاً يجب إخضاعه لمعايير القانون الدولي الإنساني وقواعد المسؤولية القانونية وحق الضحايا في الانتصاف والجبر.
حماية الملكية الخاصة قاعدة وليست استثناء
يضع القانون الدولي الإنساني قيوداً واضحة على سلطة القوة القائمة بالاحتلال في التعامل مع ممتلكات السكان المدنيين.
فلوائح لاهاي لعام 1907 كرست حماية الملكية الخاصة، فيما جاءت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 لتضع حماية أكثر تحديداً للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة.
وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحة على حظر تدمير الممتلكات العقارية أو المنقولة التي تعود ملكيتها بصورة فردية أو جماعية للأشخاص أو للدولة أو للسلطات العامة، إلا إذا كان تدميرها تفرضه بصورة مطلقة العمليات العسكرية.
وهنا تكمن القاعدة الأساسية: الحظر هو الأصل، والضرورة العسكرية المطلقة هي الاستثناء.
وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تعليقها المحدث للمادة 53 أن الضرورة المقصودة ليست مجرد الملاءمة العسكرية أو المصلحة الأمنية العامة، بل يجب أن يكون تدمير العقار مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بعملية عسكرية وأن يكون ضرورياً بصورة مادية، بحيث لا تكون هناك وسيلة أخرى لتحقيق الغرض العسكري المشروع. كما يجب أن يبقى التدمير متناسباً مع الميزة العسكرية المتوقعة، ولا يجوز استخدامه كعقوبة أو وسيلة ردع.
وبالتالي، فإن مجرد وصف الهدم في أمر عسكري بأنه "ضرورة أمنية" لا يحسم مشروعيته بموجب القانون الدولي؛ إذ يبقى لزاماً إثبات الضرورة العسكرية الفعلية، وعلاقتها المباشرة بالعملية العسكرية، ومدى تناسبها مع الأضرار التي لحقت بالسكان وممتلكاتهم.
الأوامر والمناشير العسكرية ليست فوق القانون
لا خلاف على أن القوة القائمة بالاحتلال تمتلك، في حدود القانون الدولي، صلاحيات تنظيمية وأمنية معينة، وقد أصدرت إسرائيل خلال عقود الاحتلال منظومة واسعة من الأوامر والمناشير العسكرية الناظمة لمختلف جوانب الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
غير أن وجود نص أو أمر عسكري لا يعني أن القرار يصبح محصناً من الرقابة القانونية.
فالقاعدة المستقرة في القانون الدولي أن الدولة لا تستطيع التذرع بقانونها الداخلي لتبرير عدم الوفاء بالتزاماتها الدولية. ولذلك فإن الأمر العسكري، حتى إذا كان نافذاً في النظام القانوني الداخلي للاحتلال، لا يستطيع أن يمنح مشروعية لفعل تحظره اتفاقية دولية نافذة أو قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن ثم فإن السؤال القانوني لا يتوقف عند وجود أمر الهدم، بل يمتد إلى مصدر السلطة، وحدودها، والغاية من استعمالها، والوقائع التي استند إليها القرار، ومدى توافر الضرورة والتناسب، والآثار التي يرتبها على المدنيين الذين لا علاقة لهم بالفعل الذي تستند إليه السلطة العسكرية.
العقاب الجماعي محظور دولياً
تكتسب عمليات هدم المنازل بعداً أكثر خطورة عندما يكون العقار عائداً إلى أشخاص لم يثبت ارتكابهم أي فعل، أو عندما تطال آثار القرار أفراد الأسرة والمجاورين الذين لا علاقة لهم بالسبب الذي تستند إليه سلطات الاحتلال.
وتنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة على مبدأ المسؤولية الفردية وتحظر صراحة العقوبات الجماعية، كما تحظر تدابير التخويف والإرهاب وأعمال الانتقام ضد الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
وعليه، فإن هدم منزل أو ممتلكات أشخاص بسبب فعل منسوب إلى فرد آخر يثير، بحسب ظروف كل حالة، مسألة جدية حول مدى توافق الإجراء مع الحظر الدولي للعقوبات الجماعية، ولا سيما عندما لا يكون لباقي أصحاب المصلحة أي دور أو مسؤولية في الفعل محل الادعاء.
وماذا عن القانون والأوامر العسكرية الإسرائيلية؟
تستند بعض أوامر هدم المنازل في النظام الإسرائيلي إلى المادة 119 من أنظمة الدفاع (الطوارئ)، التي تمنح القائد العسكري صلاحيات واسعة في مصادرة وهدم بعض العقارات في ظروف محددة.
لكن اللافت قانونياً أن القضاء الإسرائيلي نفسه لم يعتبر هذه الصلاحية مطلقة.
ففي القضية المعروفة HCJ 7040/15 Hamed v. Military Commander in the West Bank، أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية، بصفتها محكمة العدل العليا، بأن نطاق الصلاحية بموجب المادة 119 واسع، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن استعمالها يجب أن يتم بحذر وتقييد، وأن يخضع لمبادئ المعقولية والتناسب.
كما تناول القضاء الإسرائيلي ضرورة النظر في حجم الضرر الذي قد يصيب الأشخاص غير المتورطين، والبحث في الصلة بين الشخص المستهدف والعقار المراد هدمه، ومدى وجود وسائل أقل ضرراً لتحقيق الغاية التي تدعيها السلطات. وفي بعض الحالات، اعتبرت المحكمة أن ضعف الصلة بين الشخص المعني والعقار أو عدم كفاية الأساس الذي يثبت جدوى الهدم يمكن أن يؤدي إلى التدخل القضائي.
وهذا يقرر مبدأ بالغ الأهمية: حتى وفق القانون الإسرائيلي ذاته، فإن صلاحيات القائد العسكري ليست سلطة مطلقة، وإنما تخضع للمراجعة القضائية ومبادئ التناسب والمعقولية.
حق صاحب العقار في اللجوء إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية
من الناحية الإجرائية، فإن صاحب المنزل أو العقار الذي يصدر بحقه أمر عسكري بالهدم لا يفقد، لمجرد صدور الأمر، حقه في الطعن والمراجعة القضائية.
وبحسب طبيعة القرار ومرحلته، يمكن دراسة تقديم اعتراض أمام الجهة العسكرية المختصة، ثم تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بصفتها محكمة العدل العليا (HCJ)، للمطالبة بوقف تنفيذ القرار أو إلغائه أو إعادة النظر فيه.
وينبغي أن يقوم الالتماس على أسس قانونية وواقعية دقيقة، من بينها:
عدم توافر السند القانوني الكافي للقرار.
تجاوز القائد العسكري حدود الاختصاص.
عدم إثبات الضرورة العسكرية المطلقة.
عدم التناسب بين الهدف العسكري والضرر الناتج عن الهدم.
وجود وسائل بديلة أقل ضرراً.
المساس بحقوق أشخاص غير متورطين.
وجود عيوب في الإجراءات أو في حق الاعتراض.
مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني.
احتمال تحول الإجراء إلى عقوبة جماعية محظورة.
والأهمية العملية لهذه الآلية تكمن في أن الطعن يجب أن يتم قبل تنفيذ الهدم كلما كان ذلك ممكناً، لأن اللجوء إلى القضاء بعد إزالة العقار نهائياً يحول طبيعة النزاع في جانب كبير منه من طلب وقف التنفيذ إلى البحث في سبل الجبر والتعويض.
المسؤولية الدولية لا تنتهي عند وقوع الضرر
لا ينبغي أن يقف المسار القانوني عند محاولة منع الهدم أو إلغائه.
فإذا ثبت أن تدمير الممتلكات لم يكن مبرراً بالضرورة العسكرية التي تشترطها المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، فقد تترتب مسؤولية دولية عن الفعل غير المشروع، فضلاً عن إمكان انطباق أحكام أخرى من القانون الدولي الإنساني بحسب ظروف كل حالة.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن التدمير الواسع للممتلكات المحمية، إذا لم تبرره الضرورة العسكرية ونُفذ بصورة غير مشروعة وتعسفية، يمكن أن يندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة، كما قد يشكل جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عندما تستوفي الوقائع والأركان القانونية المطلوبة.
ومن هنا تصبح عملية توثيق الهدم مسألة قانونية وليست إعلامية فقط: من أصدر الأمر؟ وعلى أي أساس؟ وما طبيعة العقار؟ ومن يملكه؟ وهل كان مأهولاً؟ وما الضرورة العسكرية المدعاة؟ وهل كانت هناك بدائل؟ وما حجم الضرر؟ وهل طال أشخاصاً غير معنيين؟
محكمة العدل الدولية وحق الشعب الفلسطيني في الجبر
وفي هذا السياق، اكتسب رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة أهمية استثنائية.
فالمحكمة أكدت مبدأ المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دولياً، وما يترتب عليها من التزام بالجبر وفق قواعد القانون الدولي، بما في ذلك صور الجبر المعترف بها دولياً كإعادة الحال إلى ما كان عليه والتعويض والترضية بحسب طبيعة الضرر والظروف.
لكن ينبغي التمييز بدقة بين محكمة العدل العليا الإسرائيلية، التي يمكن للأفراد في ظروف معينة اللجوء إليها للطعن في قرارات السلطات العسكرية، وبين محكمة العدل الدولية، التي لا يملك الأفراد رفع دعاوى مباشرة أمامها، وإنما تختص بالمنازعات بين الدول وتصدر آراء استشارية وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تختلط المسارات القضائية أو تُرفع توقعات قانونية غير واقعية.
المطلوب: تحويل كل عملية هدم إلى ملف قانوني متكامل
إن مواجهة عمليات هدم المنازل والممتلكات لا ينبغي أن تقتصر على البيانات السياسية أو الاستنكار، بل يجب أن تنتقل إلى التوثيق القانوني والملاحقة القضائية والمطالبة بالجبر والتعويض.
ويفترض أن يتضمن ملف كل عقار:
سند الملكية أو إثبات الحق في العقار، وأمر الهدم أو الإخلاء، وجميع المناشير والإخطارات العسكرية، والصور والتسجيلات قبل الهدم وبعده، وشهادات الشهود، وتقارير الخبراء، وقيمة العقار والممتلكات التي كانت بداخله، والآثار التي ترتبت على الهدم، فضلاً عن تحديد الجهة التي أصدرت الأمر والجهة التي نفذته، وتوثيق أي أضرار لحقت بالمنازل المجاورة أو بالسكان.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة في حالات الهدم الواسع؛ لأنها تسمح بتحويل الوقائع المتفرقة إلى سجل قانوني متكامل يمكن الاستناد إليه أمام القضاء والهيئات الدولية وآليات المساءلة.
الخلاصة
إن جوهر المسألة القانونية يمكن اختصاره في قاعدة واضحة: الاحتلال لا يلغي حقوق السكان، والأمر العسكري لا يعلو على القانون الدولي، والضرورة الأمنية العامة لا تعادل الضرورة العسكرية المطلقة التي اشترطتها اتفاقية جنيف الرابعة لتبرير تدمير الممتلكات.
فالمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تجعل حماية الممتلكات هي الأصل، ولا تسمح بالتدمير إلا في استثناء ضيق تفرضه الضرورة المطلقة للعمليات العسكرية، مع مراعاة التناسب. كما أن المادة 33 تحظر العقوبات الجماعية والتدابير الانتقامية ضد الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
وفي المقابل، فإن القضاء الإسرائيلي ذاته أقر بأن صلاحيات القائد العسكري، بما فيها الصلاحيات المستندة إلى المادة 119، ليست مطلقة، وأن استعمالها يخضع لمبادئ المعقولية والتناسب والمراجعة القضائية.
وعليه، فإن أصحاب المنازل والممتلكات الذين تصدر بحقهم أوامر عسكرية بالهدم يملكون، بحسب طبيعة كل حالة وإجراءاتها، أساساً لبحث الاعتراض على الأمر واللجوء إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية لطلب وقف تنفيذه أو إبطاله، بالتوازي مع توثيق الضرر تمهيداً للمطالبة بالجبر والتعويض عبر المسارات القانونية المتاحة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إعادة بناء ما هدمته الآلة العسكرية، وإنما بناء ملف قانوني يثبت المسؤولية، ويحدد المخالفة، ويوثق الضرر، ويطالب بالانتصاف والجبر والتعويض.
فالممتلكات الفلسطينية ليست هدفاً مباحاً، والسلطة العسكرية ليست سلطة بلا حدود، والعدالة لا تتوقف عند حدود الاحتلال.
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة



