أطواق استيطانية دائرية في القدس واختراق للأحياء المقدسية

راسم عبيدات

أغسطس 16, 2026 - 09:30
أطواق استيطانية دائرية في القدس واختراق للأحياء المقدسية

 راسم عبيدات

تتكثف الهجمة الاستيطانية على مدينة القدس، والتي تأخذ شكل الأطواق الاستيطانية الدائرية، واختراق القرى والبلدات المقدسية التي لا يوجد فيها وجود يهودي، حيث السعي إلى استدخال وجود استيطاني يهودي في عمق النسيج العربي المجتمعي. ونحن نشهد كثافة الإقرار والتنفيذ لمشاريع استيطانية، يمولها رجال أعمال يهود، في العديد من الأحياء المقدسية، حيث إن اختراق تلك الأحياء يستهدف تشويه المشهد البصري والهوية العمرانية والحضرية لتلك الأحياء، وتغيير بنيتها الديمغرافية والجغرافية، وتحويلها إلى جزر متناثرة في محيط إسرائيلي واسع، يحولها إلى وحدات مجتمعية مستقلة، دون تواصل جغرافي وديمغرافي مع محيطها من القرى المقدسية الأخرى، في إطار سياسة التفكيك و"التذرير" لتلك القرى، وإشغالها بهمومها الخاصة، بعيداً عن الهم الوطني العام. ناهيك عن أن وجود تلك البؤر الاستيطانية في قلب الأحياء العربية يؤجج الصراعات مع المستوطنين، ويشكل قيوداً على حركة وتنقل السكان العرب، ويشل حركتهم وحياتهم العامة في المناسبات اليهودية الدينية والقومية، ويشوه واقعهم العمراني؛ إذ إن الأبنية في تلك القرى والبلدات، والمساكن فيها، لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أو أربعة طوابق، بسبب القيود التي تفرضها بلدية الاحتلال على البناء ومنح التراخيص في تلك القرى والبلدات المقدسية، في حين أن البناء الاستيطاني سيصل إلى عشرة أو أربعة عشر طابقاً في البؤر الاستيطانية التي ستقام في قلب الأحياء العربية.

أما بالنسبة للأطواق الاستيطانية واختراق القرى والبلدات المقدسية، فعدا الأهداف التفكيكية و"التذريرية" لجغرافيا وديمغرافيا تلك الأحياء، وعزلها جغرافياً وديمغرافياً عن بعضها البعض، فهناك أهداف أخرى لها علاقة بتقليص الوجود العربي الفلسطيني في المدينة، وقلب واقعها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين، وتغيير مشهدها الكلي من مشهد عربي إسلامي - مسيحي أصيل إلى مشهد يهودي تلمودي - توراتي مصطنع.

وهنا تأتي الأهداف الكبرى بإعادة "هندسة" الوجود الفلسطيني في القدس، جغرافياً وديمغرافياً، مع محيطها الفلسطيني، بإقامة مشاريع استيطانية ضخمة تغلق كل بوابات تواصلها الجغرافي والديمغرافي مع المحيط الفلسطيني في الضفة الغربية. حيث نشهد، في شمال المدينة، العمل على إقامة مشروع استيطاني ضخم على أرض مطار مدينة القدس، بـ 9000 وحدة استيطانية، بالإضافة إلى وضع حجر الأساس لمركز تراث يهودي، بما يحول المنطقة إلى مركز سياحي وتعليمي، ويشطب الرواية والسردية الفلسطينية، لصالح رواية وسردية يهودية، بالإضافة إلى ربط المكان بشخصيات سياسية وعسكرية إسرائيلية، من خلال معارض لما يسمى بتاريخ الطيران والاستيطان اليهودي، وأجنحة تمجد شخصيات عسكرية ودينية يهودية، تخليداً لذكراهم، ومنهم يوني نتنياهو، شقيق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي قُتل في عملية لتحرير رهائن إسرائيليين في مطار عنتيبي الأوغندي عام 1976.

هذا المشروع الاستيطاني الضخم والمركز التراثي، ترافق مع توسيع الجدار بإزاحته باتجاه مخيم قلنديا، بهدم العشرات من المحلات التجارية، وكذلك إقامة محطة لمعالجة النفايات الصلبة على أرض مطار قلنديا، بما يهدم عشرات المنازل في المخيم، ويصادر ويدمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

هذا المشروع يغلق البوابتين الجغرافية والديمغرافية مع مدينة رام الله وشمال الضفة الغربية. وبالمقابل، هناك مشروع استيطاني آخر، وهو المعروف بإقامة مستوطنة إسرائيلية جديدة باسم "أي ون" في مستوطنة "معاليه أدوميم"، بـ 3401 وحدة استيطانية، تشطر شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتغلق بوابة القدس الشرقية، وتُوجد تواصلاً جغرافياً بين تلك المستوطنة ومستوطنات شرق مدينة القدس مع مدينة القدس، وبما يقضي أيضاً على أي إمكانية لحل الدولتين والدولة الفلسطينية المستقلة.

أما في المنطقة الجنوبية الغربية، فتتكثف المشاريع الاستيطانية، وتتشكل حلقة دائرية استيطانية تحاصر الوجود الفلسطيني الجنوبي في القدس، وتمنع تواصله مع مدن جنوب غرب المدينة، مدن محافظة بيت لحم والخليل. وهذا الطوق الاستيطاني يمتد من مستوطنة جبل أبو غنيم "هارحاموه" إلى مستوطنة القناة السلفى، ومستوطنات "جفعات همتوس" و"جفعات هتحموتيس" على أراضي قرى بيت صفافا وشرفات، ومستوطنة "جفعات شاكيد" على أرضي قرية الولجة. وهناك توسعة لمشروع استيطاني جديد، نشرت تفاصيله منظمة "عير عميم" الإسرائيلية، بتوسيع مستوطنة "جيلو"، بإقامة مشروع استيطاني ضخم بـ 2300 وحدة استيطانية، على ما مساحته 195 دونماً، تصل إلى مشارف أراضي بيت جالا وشارع رقم 60 الاستيطاني.

وبالعودة إلى مستوطنات الاختراق الداخلي والتطويق للقرى والبلدات المقدسية في شرق المدينة، فقد شهدنا إقامة مستوطنة "معاليه زيتيم" بـ 120 وحدة استيطانية في حي رأس العامود، والبؤر الاستيطانية التي باتت منتشرة في قلب بلدة سلوان، والسيطرة على أحياء بأكملها، كما هو الحال في حي بطن الهوى، حيث يتعرض سكانه للطرد والتهجير، وكذلك حي البستان، وأحياء وادي حلوة ووادي الربابة ووادي ياصول وعين اللوزة، في سعي لتهويد كامل المنطقة الجنوبية الغربية المحيطة بالبلدة القديمة والأقصى.

أما في جبل المكبر، فقد استمر العمل في إنجاز مستوطنة "نوف تسيون" في قلب الحي، والتي بدأ العمل فيها في أواخر التسعينات، وأنجز منها مرحلتان من أصل ثلاثة مراحل، ويجري العمل على استكمال المرحلة الثالثة، بواقع 400 وحدة استيطانية، يجري توسيعها بإضافة 100 وحدة استيطانية جديدة، وثلاثة فنادق على قمة جبل المكبر، مع نقل مركز الشرطة الإسرائيلي الحالي "عوز" من مكانه الحالي إلى "تلة الترمس" على قمة جبل المكبر.

أما في حي إمليسون، الواقع بين بلدتي جبل المكبر وصورباهر، فكان هناك مخطط لإقامة مشروع استيطاني من 450 وحدة استيطانية في عام 2022، تعثر بسبب عدم قدرة الشركة صاحبة المشروع على توسعة الشوارع إلى الأرض التي ستقام عليها المستوطنة، لكونها غير مالكة للأرض المؤدية إلى المستوطنة، مما حدا ببلدية الاحتلال بالدخول كمقدم لهذا المشروع، في هدف سياسي واضح، لتجاوز تلك العقبة، والعمل على تنفيذ هذا المشروع الاستيطاني، الذي يفصل حي إمليسون جغرافياً وديمغرافياً عن بلدتي جبل المكبر وصورباهر، وكذلك يستدخل في عمق نسيجه العربي مستوطنين، بأبنية استيطانية يصل ارتفاعها إلى عشرات الطوابق، في حي مكون من 800 عائلة، لا يزيد ارتفاع طوابقه عن ثلاث إلى أربع طبقات.

أما في بلدة أم طوبا، القريبة من مستوطنة جبل أبو غنيم، فيجري العمل لإقامة مشروع استيطاني في مدخلها، مكون من 650 وحدة استيطانية، على ما مساحته 27 دونماً، حسب ما نشرته منظمة "عير عميم" الإسرائيلية، حيث تدعي حكومة الاحتلال بأن الأراضي التي سيقام عليها المشروع تعود إلى أملاك الغائبين، وهو أحد الأساليب التي يجري من خلالها السيطرة على أراضي المقدسيين.

يبدو بأن حكومة وبلدية الاحتلال توظفان كل أجهزتهما الأمنية والمدنية، وكذلك تستخدمان جمعياتهما الاستيطانية، من أجل حسم السيطرة والسيادة على المدينة، وعلى مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وفي المقدمة منها المسجد الأقصى. وذلك في ظل حالة فلسطينية منقسمة على ذاتها، وفي لحظة انكسار وانهيار عربي وإسلامي، وانشغال عالمي بما يجري بين إيران وأمريكا، وإغلاق إيران لمضيق هرمز، من أجل دفع واشنطن للتسليم بشروطها بالعودة إلى مذكرة التفاهم ذات الأربعة عشر بنداً. في هذا السياق، يصعد الاحتلال من حربه التهويدية على المدينة، ويستهدف كل أشكال الوجود الفلسطيني فيها: بشراً، وحجراً، وشجراً، ومقدسات، وتاريخاً، وجغرافيا، ورواية، وسردية، وثقافة، وتراثاً، وتعليماً، ومنهاجاً.