التجربة قبل النظرية: قراءة منهجية في أطروحة إعادة بناء المجال العام الفلسطيني

محمد قاروط أبو رحمه

يوليو 28, 2026 - 17:01
التجربة قبل النظرية: قراءة منهجية في أطروحة إعادة بناء المجال العام الفلسطيني

 التجربة قبل النظرية: قراءة منهجية في أطروحة إعادة بناء المجال العام الفلسطيني

محمد قاروط أبو رحمه

عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية

28/7/2026

يثير المقالان اللذان نشرتهما الدكتورة غانية ملحيس حول إعادة بناء المجال العام الفلسطيني: المدخل لاستعادة السياسة وإعادة بناء المشروع الوطني ومن اختطاف المجال العام إلى إعادة ترتيب الأولويات نقاشًا مهمًا حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ويقدمان رؤية تنطلق من إعادة بناء المجال العام بوصفه المدخل لإعادة بناء السياسة والمشروع الوطني. وهي أطروحة تستحق التقدير لما تثيره من أسئلة، لكنها – في تقديري – تحتاج إلى مراجعة منهجية تتصل بطبيعة التجربة الفلسطينية نفسها.

المسألة الجوهرية ليست في أهمية النظرية، وإنما في نقطة البداية. فالتجربة الفلسطينية لم تبدأ بنظرية سياسية مكتملة ثم انتقلت إلى الممارسة، بل بدأت بالفعل الوطني، ثم تراكمت الخبرة، ثم جاءت المراجعات الفكرية والتنظير. ومن هنا فإن المنهج الذي حكم التجربة الفلسطينية منذ انطلاقة حركة فتح ومنظمة التحرير كان يقوم على قاعدة واضحة: العمل أولًا، ثم التحليل، ثم التطوير.

لقد واجه الفلسطينيون مشروعًا استعماريًا إحلاليًا غير مسبوق، ولم يكن أمامهم ترف انتظار اكتمال النظرية قبل بدء الفعل الوطني. ولذلك تشكلت المؤسسات الوطنية، وتراكمت الخبرات، ثم تطورت المفاهيم تباعًا. وهنا تكمن خصوصية التجربة الفلسطينية؛ فهي ليست تطبيقًا لنظرية جاهزة، وإنما مصدرًا لإنتاج النظرية نفسها.

ولهذا فإن الدعوة إلى إعادة بناء المجال العام ينبغي ألا تنطلق من افتراض وجود فراغ كامل يحتاج إلى تأسيس جديد، بل من قراءة تراكم التجربة الوطنية وكيفية تطويرها. فإعادة البناء لا تعني البدء من الصفر، وإنما تعني تطوير ما أُنجز، وتصحيح ما تعثر، وتجديد الأدوات مع الحفاظ على الإطار الوطني الجامع.

إن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن نتيجة نظرية مكتملة، بل كانت ثمرة نضال طويل، ثم أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله مفاهيم الشرعية الوطنية والتمثيل والعقد الوطني. وكذلك فإن المشروع الوطني لم يتطور عبر القطيعة مع مراحله السابقة، وإنما عبر التراكم والتكيف مع المتغيرات.

ومن هنا فإن السؤال المنهجي يصبح: هل نعيد بناء المجال العام بإنتاج نظرية جديدة أولًا، أم ننطلق من التجربة الفلسطينية المتراكمة فنحللها ونطورها ونبني عليها؟

أميل إلى الخيار الثاني؛ لأن التجربة الوطنية نفسها تمثل أكبر مختبر معرفي للفكر السياسي الفلسطيني. وكل محاولة لتجاوزها أو التعامل معها باعتبارها مجرد مادة للنقد النظري قد تفقدنا أهم مصادر التعلم.

إن التجربة الفلسطينية تعلمنا أن المشروع الوطني لا يتقدم بالقطيعة، وإنما بالمراجعة؛ ولا يتطور بهدم المؤسسات، وإنما بتجديدها؛ ولا يحافظ على وحدته بإلغاء التراكم، وإنما بتحويل الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى منهج، والمنهج إلى قدرة متجددة على الإنجاز.

وبهذا المعنى، فإن التجربة تسبق النظرية، لكنها لا تلغيها؛ فالتجربة تنتج المعرفة، والنظرية تنظمها، والمنهج يحولها إلى خبرة قابلة للتوريث. وهذه هي الدورة التي صنعت التجربة الفلسطينية، وهي نفسها القادرة على تطويرها في المستقبل.

روابط المقالين: