سجال سياسي في تونس عقب تصريحات للرئيس الجزائري حول 'التدخل لحماية أمنها'
شهدت الأوساط السياسية في تونس حالة من الجدل الواسع عقب تصريحات أدلى بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أكد فيها أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لزعزعة استقرار تونس أو جلب الإرهاب إليها. هذه التصريحات قوبلت برفض قاطع من قبل طيف واسع من السياسيين والنشطاء التونسيين الذين اعتبروها تدخلاً غير مقبول في الشؤون السيادية للدولة التونسية.
وطالب عدد من القيادات الحزبية والنشطاء الرئيس التونسي قيس سعيد ووزارة الخارجية بضرورة التحرك الدبلوماسي العاجل، عبر استدعاء السفير الجزائري في تونس لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة. واعتبر المطالبون أن لغة 'الوصاية' التي ظهرت في الخطاب الرسمي الجزائري لا تتماشى مع مبادئ احترام سيادة الدول الجارة.
وفي رد فعل حاد، قارن ماهر العباسي، القيادي السابق في حزب 'تحيا تونس'، بين القدرات الأمنية للبلدين، مشيراً إلى أن تونس نجحت في دحر الإرهاب خلال خمس سنوات فقط وبأقل الخسائر البشرية مقارنة بالعشرية السوداء في الجزائر. وأكد العباسي أن الدولة التونسية ظلت صامدة ومؤسساتها قائمة رغم التحديات، مما يغنيها عن أي تدخل خارجي.
من جانبه، لجأ النائب السابق ياسين العياري إلى أسلوب التهكم لانتقاد الموقف، مشيراً إلى تناقض الخطاب الذي يتحدث عن السيادة بينما يسمح بتدخلات إقليمية في الشأن الداخلي. واعتبر العياري أن هذه التصريحات تضعف صورة الدولة التونسية وتظهرها بمظهر التابع للقوى الإقليمية المجاورة.
وأثارت المحامية دليلة مصدق تساؤلات جوهرية حول تعريف 'الإرهاب' الذي قصده الرئيس الجزائري، خاصة في ظل وجود معارضين سياسيين تونسيين يواجهون تهماً بالإرهاب من قبل السلطات الحالية. وأعربت مصدق عن تخوفها من أن يكون هذا التصريح ضوءاً أخضر لاستهداف المعارضة التونسية تحت غطاء التنسيق الأمني المشترك.
وفي سياق متصل، ربط محللون تونسيون بين خطاب تبون وبين الهجمة الإعلامية التي شنتها صحف جزائرية مقربة من السلطة ضد الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي. ويرى هؤلاء أن الجزائر تحاول قطع الطريق أمام أي تغيير سياسي في تونس قد يؤثر على التحالف الاستراتيجي القائم حالياً بين البلدين.
القاضية والمرشحة الرئاسية السابقة كلثوم كنو، علقت بدورها على غياب الرد الرسمي التونسي، معتبرة أن الرئيس الجزائري بدا وكأنه يتحدث نيابة عن السلطة التونسية. وأشارت كنو إلى أن استخدام عبارات تهديد قوية مثل 'تخريب الخيمة' يعكس تصعيداً غير مسبوق في لغة التخاطب الدبلوماسي بين الجارين.
وعلى صعيد القوات الأمنية، شدد نشطاء على أن الوحدات الخاصة التونسية تمتلك من الخبرة والكفاءة ما يجعلها مرجعاً دولياً في مكافحة الإرهاب، حيث تتدرب معها قوات من دول كبرى. وأوضحوا أن تونس هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم تسمح لتنظيم 'داعش' بالسيطرة على أي جزء من أراضيها بفضل يقظة جيشها وأمنها.
كما أشار المحامي عبد الواحد اليحياوي إلى أن تصريحات تبون لا يمكن فصلها عن الصراع الإقليمي بين الجزائر والمغرب، معتبراً أن تونس أصبحت ساحة لتصفية حسابات جيوسياسية. وحذر اليحياوي من أن انحياز النظام التونسي الحالي للجزائر قد يدفع البلاد نحو عزلة دولية أو توترات مع دول مغاربية أخرى.
وفي تدوينات متفرقة، عبر مواطنون تونسيون عن استيائهم من توقيت التصريح، متسائلين عن الأسباب التي تدفع رئيساً لدولة جارة للحديث عن 'مخططات غرف مغلقة' في تونس. وطالب النشطاء بضرورة توضيح المعطيات الاستخباراتية التي استند إليها الرئيس الجزائري في وعيده، بدلاً من إطلاق تصريحات تثير القلق.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات التونسية الجزائرية تقارباً كبيراً على مستوى القيادة، يقابله توتر متزايد مع المعارضة التونسية التي تتهم الجزائر بدعم 'الانقلاب' على المسار الديمقراطي. ويرى مراقبون أن هذا السجال قد يؤدي إلى فجوة بين الشعب التونسي والسلطة الجزائرية إذا استمرت لغة التدخل.
وكانت مصادر إعلامية قد رصدت هجوماً غير مسبوق من الصحافة الجزائرية على المنصف المرزوقي بعد انتقاده لسياسات تبون وتدخله في الشأن التونسي. واعتبر المرزوقي في تصريحات سابقة أن تونس ليست بحاجة لتقريب وجهات نظر من الخارج، بل لحوار وطني داخلي يحترم الدستور.
ويرى نشطاء حقوقيون أن السيادة الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت ذريعة المساعدات الأمنية أو الاقتصادية، مؤكدين أن استقرار تونس ينبع من الداخل. وشددوا على أن الشعب التونسي هو الوحيد المخول بتقرير مصيره وحل أزماته السياسية بعيداً عن أي إملاءات إقليمية.
ختاماً، يبقى الصمت الرسمي التونسي تجاه هذه التصريحات محل انتقاد واسع من قبل القوى المدنية، التي ترى في هذا الصمت قبولاً ضمنياً بالوصاية الجزائرية. وتترقب الأوساط السياسية ما إذا كانت الخارجية التونسية ستصدر توضيحاً يعيد الأمور إلى نصابها الدبلوماسي الصحيح ويحفظ كرامة الدولة.



