خذيني إلى جثّتي الممزّقة في ذكرياتي البعيدة أيّتها الشّمس

عيسى قراقع

يوليو 26, 2026 - 13:25
خذيني إلى جثّتي الممزّقة في ذكرياتي البعيدة أيّتها الشّمس

خذيني إلى جثّتي الممزّقة في ذكرياتي البعيدة أيّتها الشّمس

عيسى قراقع
 
لقد نجونا ودخلنا غزّة، والآن نحن في جوف المقابر الجماعيّة، تحت الأنقاض، والآن نحن نلملم أجسادنا المبعثرة وذكرياتنا، وأصابعنا العشر، نأكل خبز السّلام الأمريكيّ، طحينا وخوفا ودما، نحن جثثٌ حيّة تحت الخيمة في غزّة، وجثثٌ تبتسم في رام الله، تُطلّ على موتها السّابق من ذاكرة ومجزرة.
لن يصدّق أحد أنّني جثّة، يكتب الشّاعر الصّديق إيهاب بسيسو ديوانه الشّعريّ الّذي حمل هذا العنوان والصّادر عن دار طباق للنّشر والتّوزيع، صوت جثّة لا تدري إن كانت هي على الأرض أمْ في السّماء، قصائد تتماوج مع النّثر البليغ، وإيقاع النّشيد متعدّد التّأويل حتّى الموت المشحون بعواطف الرّعد، يتداخل الواقع مع المُخيِّلة، المنطق مع الحلم، الوعي مع الحدس، القصائد متوتّرة، موجعة، بلاغة الجثّة في النّصّ الّتي تأتي من مكان غامض بين الكتابة والكلام.
(عزيزي الفراغ
هذه ليست رسائل استغاثة
من جثّة أخرى
تمزّقها ويلات الإبادة
هذه شهادة شخصيّة
عن بلاد مُهشمَّة 
لم تجد وسادة واحدة
لرعاية الأحلام 
فلجأت إلى وسادة الكناية).
نحن في رام الله، نجونا والحمد لله، لم يصلِ الصّاروخ إلى شارع ركب، وصل المستوطن والمسدّس، رأيناهم يطلقون الرّصاص على ظلالنا لنصير صدى، طريقة جديدة للذّوبان صمتًا أو اختفاءً بخفّة في الظّلال الدّاكنة، فشكرًا ليوم القيامة الّذي جمعنا منقسمين إلى جثث مفتّتة وجثث مكتملة.
(وقد تجد موتك في انتظارك 
مثل موت شاحب مرتبك
 يُحدّق مرّة أخرى في ملامحك المُنهَكَة).
كلّ جثّة هي أنت، وكلّ جثّة هي لك، الموت ليس موت الجسد، الموت الدّاخليّ، موت الرّوح هي أخطر أنواع الموت، أن تكون ميّتًا وحيًّا في نفس الوقت، مشطورا إلى موتين: الموت السّياسيّ والثّقافيّ، وموت الإرادة والذّاكرة، جسدك الحيّ في قبر يُسمّى الصّمت والبلادة، وجسدك الميّت هامدا بين تمزّقات الأمكنة، ولا تستعجل جنازة من أحد، حين يطلُّ الموت، موتك من زجاج النّافذة.
الشّاعر إيهاب بسيسو ابن غزّة، يُحدّق كلَّ يوم للأعلى، حيث يقيم الرّاحلون بين الأمنيات، يمشّط الطّرقات الطّاعنة في العَتَمَة، يبحث عن المدينة تحت الرّكام والغبار، عن أحبّائه والذّكريات، عن المدرسة والحديقة والكتاب، عن الصّلاة والمسجد والكنيسة، والبحر والحارات والسّاحات، والأسواق ونبض النّاس، عن القِدّيسين والقِدّيسات، عن ملامحه البعيدة في ثنايا الاستعارات، قبل أن تسبقه القذائف وتموت القصيدة.
(لم تقتلك الحرب مرّة واحدة
حين استقرّت في جسدك الهشّ
بل عاثت في ذكرياتك موتا
تِلوَ موت
لتصبح أنت كلّ الجثث).
إنّ فلسفة الدّيوان تنتمي إلى ما يمكن تسميته انطولوجيا الحياة الميّتة، حيث تصبح الحياة شكلا بلا روح، ويصبح الموت حارسا للرّوح والمعنى، فالشّاعر يرفض أن يموت، لكنّه يرفض حياة فقدت معناها الأخلاقيّ والإنسانيّ، حتّى غدا الموت أكثر صدقا منها، لهذا تبدو الجثّة في الدّيوان كائنا حيًّا أكثر من الأحياء، فهي تحمل الحقيقة الّتي فقدها الآخرون، هؤلاء:
(المُكدَّسين في مكاتب معزولة، وغرف من زجاج معتم، لا تطلّ على صراخ يابسة،
تختبر فداحة الموت
باللحم الحي المقدس
في متاهات الحرب).
الشّاعر إيهاب يعيش زمن الموت الموازي، وهو ليس الموت البيولوجيّ وحدَه، بل وجود حياتين تسيران في اللّحظة نفسها: جسد يعيش في رام الله، بينما روحه تموت مع غزّة في كلّ يوم، فيصبح الشّاعر ناجيا بالمعنى الجسديّ، وضحيّة بالمعنى الوجوديّ، وتقوم القصائد على ثنائيّة الحضور والغياب، القلق والسّكينة المُتوتِّرة، الحياة والفناء، لا يكتب عن موت وقع وانقضى، وإنّما عن موت مستمرّ مع كلّ خبر وصورة، وانفجار في الوعي، حركات الموت المكرّرة تتأرجح في أذنيك برتابة قاتلة ومنتظمة، المدينة تموت بين عينيك.
(أجلس مثل جثّة 
بلا قناع من حياة مرتّقة
أحاول استردادي
من بئر إخوتي الصّامتين
الّذين رسموا خطّة موتي في الخفاء
وحفظوا الطّريق جيّدا
إلى دفني حيًّا
مع قطيع الذّئاب).
قصائد الشّاعر إيهاب هي خطاب قادم من العدم، قصائد تتمدّد في سرير اللّغة المتشظّية، بين التّضادات والذّوبان، التّنافر والصّراع، الحركة والتّأمل، السّرد الّذي تزدهر شرارته الفلسفيّة بسؤال: هل فكّرت يوما أن تكتب نصًّا بعد الموت؟ لهذا تتكرّر مفردات الموت والغياب والخراب، لا بوصفها أدوات فنّيّة للإبداعات الشّعريّة، بل باعتبارها البِنية العميقة للقصيدة، إذ تصبح اللّغة نفسها شاهدة على الإبادة، مشتبكة ومقاتلة، مقاومة للمحو والإزالة.
(الكتابة نافذة غير مرئيّة
بين حيرة الجسد وجلاء الضّوء
تريحني أحيانا 
من ضجيج ضجري الخانق
بين الصّمت
وعَتَمَة الموت اليوميّ).
وأنا أقرأ الّديوان شعرتُ أنّ في كلّ قصيدة هناك نداء يسبق يوم القيامة، يطالب بالحرّيّة والعدالة في عالم الأحياء قبل عالم الآخرة، جسدك الميّت يناديك ويحاسبك، لماذا حولتني إلى جثّة، ورضيت أن تعيش في حياة بديلة؟ لم أجدك معي في غزّة، تركتني هناك تحت القصف وعشت في رام الله، وكلانا صار جثّة، أنا انت، أيّها السّياسيّ والمثقّف والمسؤول، أيّها المُتحرِّرون من موتكم بموت معلّق على حدود السّياج.
(خذيني إلى جثّتي الممزّقة
في ذكرياتي البعيدة
أيّتها الشّمس 
ولا تتركيني وحيدا
مثل جسد حيّ 
في مجاهل البرد).