النظافة وجمالية المدينة مسؤولية مشتركة... وترتيب الأسواق وإنهاء التعديات استحقاق لا يحتمل التأجيل
النظافة وجمالية المدينة مسؤولية مشتركة... وترتيب الأسواق وإنهاء التعديات استحقاق لا يحتمل التأجيل
تقرير: المحامي علي أبو حبلة
تُعد المحافظة على نظافة المدن وجمالها من أبرز مؤشرات الإدارة المحلية الرشيدة، وهي مسؤولية تتقاسمها الهيئات المحلية والمواطنون على حد سواء. ولا شك أن الجهود التي يبذلها المجلس البلدي في مجال النظافة العامة، وصيانة المرافق، وتحسين المشهد الحضري، تستحق التقدير والدعم، لما لها من أثر مباشر في تعزيز الصحة العامة وإبراز الهوية الحضارية للمدينة.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لن تحقق أهدافها بصورة كاملة ما لم تقترن بخطة متكاملة لإعادة تنظيم الأسواق، وإزالة جميع أشكال التعديات على الأرصفة والشوارع والأملاك العامة، وإنهاء مظاهر العشوائية التي باتت تؤثر في الحياة اليومية للمواطنين، وتعطل الحركة الاقتصادية والمرورية، وتنعكس سلباً على صورة المدينة وهيبتها.
ففي العديد من الشوارع التجارية، أصبحت الأرصفة، التي خصصها القانون لحركة المشاة، مشغولة بالبسطات والإشغالات المختلفة، ما يضطر المواطنين، بمن فيهم كبار السن والأطفال وذوو الإعاقة، إلى السير وسط الشوارع المزدحمة، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على السلامة العامة، ويزيد من الاختناقات المرورية والحوادث، فضلاً عن إلحاق الضرر بالتجار الملتزمين بالقوانين والأنظمة.
ومن الناحية القانونية، فإن الأرصفة والطرق والساحات العامة تعد من الأملاك العامة التي يحظر التعدي عليها أو إشغالها دون ترخيص قانوني، ويقع على عاتق الجهات المختصة واجب حمايتها وإدارتها بما يحقق المصلحة العامة، انطلاقاً من مبدأ سيادة القانون والمساواة في تطبيقه، بعيداً عن الانتقائية أو الاستثناءات التي تضعف هيبة المؤسسات وتؤدي إلى اتساع دائرة المخالفات.
إن المطلوب اليوم ليس حملات موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما رؤية استراتيجية مستدامة تقوم على التخطيط الحضري الحديث، وتحديد أماكن مخصصة للباعة، وإعادة تنظيم الأسواق وفق معايير هندسية واقتصادية، بما يحفظ حق الجميع في العمل، ويصون في الوقت ذاته حق المواطنين في استخدام المرافق العامة بحرية وأمان.
كما أن تحسين انسيابية الحركة المرورية يستدعي إزالة جميع العوائق من الطرق، وتفعيل الرقابة الميدانية، وتوفير مواقف للمركبات، وتحديث الإشارات المرورية، وتعزيز التعاون بين البلدية والشرطة والجهات المختصة، بما يضمن احترام القانون وتحقيق الانضباط في الفضاء العام.
إن المدينة ليست مجرد شوارع ومبانٍ، بل هي عنوان لثقافة المجتمع ومدى احترامه للنظام العام. وكلما ارتفع مستوى التنظيم، ازدادت جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة والتجارة، وتحسنت جودة الحياة فيها، وتعززت ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق المجلس البلدي وحده، بل هي مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة تتطلب تعاون المواطنين والتجار ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لترسيخ ثقافة احترام القانون والمحافظة على الممتلكات العامة باعتبارها ملكاً لجميع المواطنين.
إن المرحلة الراهنة تستوجب الانتقال من سياسة معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن الحلول المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد، عبر إعداد خطة حضرية شاملة لإدارة الأسواق، وتنظيم الحركة التجارية، وإزالة التعديات بصورة عادلة ومتدرجة، مع توفير البدائل القانونية والإنسانية للفئات المتضررة، بما يحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات سيادة القانون.
وختاماً، فإن الحفاظ على نظافة المدينة وجمالها يمثل بداية الطريق، أما استكمال هذا الإنجاز فيتطلب إعادة الاعتبار للنظام العام، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتنظيم الأسواق، وإزالة التعديات، وتحقيق الانسيابية المرورية، لتغدو المدينة نموذجاً في الإدارة الرشيدة والتنمية المستدامة، وعنواناً للتحضر واحترام الحقوق وسيادة القانون.



