قراءة سياسية واستراتيجية في دلالات تصريحات جبريل الرجوب وتداعياتها على مستقبل الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني

يونيو 26, 2026 - 21:28
يونيو 26, 2026 - 21:29
قراءة سياسية واستراتيجية في دلالات تصريحات جبريل الرجوب وتداعياتها على مستقبل الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني

قراءة سياسية واستراتيجية في دلالات تصريحات جبريل الرجوب وتداعياتها على مستقبل الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في خضم مرحلة فلسطينية تُعد من أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، جاءت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، بشأن مقاطعته اجتماعات اللجنة المركزية وما وصفه بـ"النهج القسري" و"الخروج عن الإرث الديمقراطي التوافقي"، لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة التحولات التي تشهدها الحركة، وانعكاساتها على مستقبلها ودورها القيادي في النظام السياسي الفلسطيني.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها ليس لكونها صادرة عن شخصية قيادية بارزة فحسب، وإنما لأنها تأتي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها إعادة ترتيب البيت الداخلي لحركة فتح مع تحديات وطنية وإقليمية ودولية غير مسبوقة، تشمل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية، وتزايد الضغوط الدولية لإعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني، في ظل حديث متواصل عن ترتيبات "اليوم التالي" ومستقبل القيادة الفلسطينية.

ومن قراءة متأنية لمضمون تصريحات الرجوب، يتبين أن جوهر الاعتراض لا ينصب على توزيع المفوضيات أو المناصب التنظيمية بقدر ما يتركز على آليات اتخاذ القرار داخل الحركة. فالرجوب لم يطعن في شرعية المؤسسات، ولم يدعُ إلى تجاوزها، بل أكد بصورة واضحة التزامه بقرارات اللجنة المركزية والمجلس الثوري، معتبراً أن اعتراضه يندرج في إطار الاحتجاج التنظيمي المشروع، دفاعاً عن ما وصفه بالإرث الديمقراطي والتوافقي الذي ميّز حركة فتح على امتداد عقود.

وهنا تبرز مسألة بالغة الأهمية في إدارة الأحزاب والحركات الوطنية، وهي أن الشرعية التنظيمية لا تقتصر على الالتزام بالنظام الداخلي، وإنما تستند أيضاً إلى تعزيز ثقافة المشاركة والتوافق، بما يحفظ وحدة المؤسسة ويمنع انتقال التباينات الداخلية إلى حالة من الاستقطاب السياسي والتنظيمي.

وفي هذا السياق، فإن استخدام مصطلحات مثل "النهج القسري" و"النهج البطريركي" يعكس اعتراضاً على أسلوب إدارة المرحلة أكثر من كونه اعتراضاً على نتائجها. وهو ما يوحي بوجود نقاش داخلي حول طبيعة القيادة الجماعية، وحدود الصلاحيات، وآليات صناعة القرار داخل الحركة، وهي قضايا تواجهها معظم الحركات التاريخية عندما تدخل مرحلة انتقال في مراكز النفوذ والمسؤوليات.

ومن الناحية الاستراتيجية، لا يمكن فصل هذه التطورات عن التحولات التي تشهدها حركة فتح منذ سنوات، والتي فرضت عليها تحديات تتعلق بتجديد بنيتها التنظيمية، واستعادة ثقة قواعدها، وتعزيز حضورها في مواجهة المتغيرات المتسارعة التي تعصف بالقضية الفلسطينية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود مطالبة اليوم بإثبات قدرتها على التوفيق بين مقتضيات التجديد والحفاظ على وحدتها الداخلية، بما يضمن استمرار دورها المركزي في قيادة النظام السياسي الفلسطيني.

ولا شك أن أي خلاف داخل حركة فتح يتجاوز بطبيعته حدود التنظيم، نظراً للموقع الذي تشغله الحركة داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. ولذلك فإن أي تراجع في مستوى الانسجام القيادي قد ينعكس على الأداء السياسي والمؤسسي، ويؤثر في قدرة القيادة الفلسطينية على التعامل مع الاستحقاقات الوطنية المقبلة، سواء على الصعيد الداخلي أو في مواجهة التحديات الخارجية.

وفي المقابل، فإن تصريحات الرجوب تضمنت رسائل تهدئة لا تقل أهمية عن رسائل الاعتراض، إذ أكد التزامه الكامل بقرارات المؤسسات، ورفضه تحويل الخلاف إلى انقسام، وتشديده على أن فتح أكبر من الأشخاص، وأن وحدة الحركة تبقى أولوية وطنية. وهذه الرسائل تشير إلى أن الخلاف، حتى الآن، ما يزال يدور داخل الأطر التنظيمية، ولم يتحول إلى خروج على الشرعية التنظيمية أو محاولة لإيجاد أطر موازية.

إلا أن استمرار التباينات دون معالجات سياسية وتنظيمية عميقة قد يحمل مخاطر مستقبلية، أبرزها اتساع حالة الاستقطاب داخل الأطر القيادية، وانعكاسها على الأقاليم والقواعد التنظيمية، وإضعاف قدرة الحركة على اتخاذ قرارات موحدة في مرحلة تتطلب أعلى درجات التماسك السياسي والتنظيمي. كما أن استمرار الخلافات الداخلية قد يترك أثراً على صورة الحركة أمام الرأي العام الفلسطيني، الذي ينتظر من قياداته تقديم نموذج في إدارة الاختلاف بالحوار والمؤسسات، لا بمنطق الاصطفافات أو موازين القوى.

ومن منظور قانوني ومؤسسي، فإن قوة أي تنظيم سياسي تقاس بمدى احترامه لأنظمته الداخلية، وبقدرته على إدارة الخلافات عبر المؤسسات الشرعية، بما يضمن حق الاختلاف دون المساس بوحدة القرار. فالديمقراطية التنظيمية ليست مجرد إجراء انتخابي، وإنما ثقافة سياسية تقوم على التشاور، والشفافية، والمساءلة، واحترام الرأي الآخر، وهي المبادئ التي شكلت على الدوام أحد عناصر قوة حركة فتح واستمرارها.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الحركة إعادة إنتاج نموذج قيادي قادر على الجمع بين الشرعية التنظيمية، والكفاءة السياسية، والقدرة على إدارة التعددية الداخلية، لأن مستقبل فتح لم يعد شأناً تنظيمياً خاصاً، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل محاولات إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض، واستثمار أي حالة ضعف أو انقسام فلسطيني.

إن التحدي الحقيقي أمام حركة فتح اليوم لا يكمن في توزيع المسؤوليات أو المفوضيات، وإنما في قدرتها على تحويل التعددية داخلها إلى مصدر قوة، وإعادة بناء الثقة بين مؤسساتها وقياداتها وقواعدها، بما يعزز مكانتها كحركة تحرر وطني قادت النضال الفلسطيني لعقود، ويؤهلها لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة.

وفي المحصلة، فإن تصريحات جبريل الرجوب ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشراً على وجود نقاش داخلي حول آليات القيادة وإدارة القرار، لا بوصفها إعلاناً عن انقسام داخل الحركة. غير أن الحكمة السياسية تقتضي التعامل مع هذه المؤشرات بجدية ومسؤولية، لأن الحفاظ على وحدة حركة فتح، وتعزيز مؤسساتها، وترسيخ ثقافة الحوار والشراكة، لم يعد مطلباً تنظيمياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة أخطر التحديات التي عرفها منذ عقود.