هل تبخرت ملفات الفساد؟

يونيو 26, 2026 - 21:26
يونيو 26, 2026 - 21:27
هل تبخرت ملفات الفساد؟

هل تبخرت ملفات الفساد؟

بين المساءلة والمكاشفة والمصارحة... حين يخفت الضجيج وتبقى الأسئلة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في الدول التي تسعى إلى ترسيخ دولة القانون، لا تُقاس جدية مكافحة الفساد بكثرة التصريحات، ولا بارتفاع سقف الخطاب السياسي، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الادعاءات إلى تحقيقات، والتحقيقات إلى نتائج، والنتائج إلى مساءلة عادلة وشفافة. فالمعيار الحقيقي ليس ما يقال، بل ما يُنجز وفق القانون.

وخلال الأشهر الماضية، تابع الفلسطينيون باهتمام بالغ سلسلة من التصريحات والرسائل المفتوحة التي تحدثت عن وجود ملفات فساد موثقة، وعن تجاوزات تمس المال العام والأراضي العامة والخاصة، وعن اختلالات في منظومة الرقابة والمساءلة، بل وذهب بعضها إلى الحديث عن تعرض معدّي تقارير رسمية لضغوط وتهديدات، وعن أن مرحلة الصمت قد انتهت، وأن الرأي العام سيكون أمام كشف غير مسبوق للحقائق إذا استمرت الأوضاع على حالها.

وقد أحدثت تلك التصريحات صدىً واسعاً، لأنها صدرت عن شخصيات سياسية تتحمل مسؤولية وطنية، ولأنها مست قضايا تمثل جوهر العلاقة بين السلطة والمواطن، وأعادت إلى الواجهة ملف الحوكمة الرشيدة واستقلال القضاء وهيبة مؤسسات الرقابة.

لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً.

فبعد الضجيج الإعلامي والسياسي، خفتت الأصوات، وغابت المتابعات، ولم يعد المواطن يسمع عن تلك الملفات أو عن نتائج التحقيقات أو عن الإجراءات التي يفترض أن تكون قد اتخذت، خصوصاً بعد انتهاء المؤتمر الثامن لحركة فتح، الأمر الذي ولّد سؤالاً مشروعاً: هل انتهت القضية بانتهاء الظرف السياسي؟ أم أن الملفات أصبحت بيد المؤسسات المختصة؟ أم أن الرأي العام سيبقى ينتظر الإجابة؟

إن هذا السؤال ليس اتهاماً لأحد، ولا حكماً مسبقاً على أحد، وإنما هو استحقاق يفرضه مبدأ الشفافية الذي تقوم عليه الإدارة الرشيدة. فحين تُطرح على الملأ اتهامات تتعلق بالشأن العام، يصبح من حق المجتمع أن يعرف مآلاتها، سواء أثبتت التحقيقات صحتها أم انتهت إلى عدم ثبوتها.

ومن منظور قانوني، فإن سيادة القانون تقوم على قاعدة أساسية مفادها أن كل ادعاء يجب أن يخضع للتحقيق، وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي، وكل من يوجه اتهامات تتعلق بالمال العام أو إساءة استعمال السلطة يتحمل أيضاً مسؤولية تقديم ما لديه من أدلة أمام الجهات المختصة. فلا يجوز أن تبقى الملفات رهينة التصريحات، كما لا يجوز أن تتحول الاتهامات إلى مجرد أدوات في الصراع السياسي أو التنظيمي.

إن قوة الدولة لا تكمن في إخفاء المشكلات، وإنما في امتلاك الشجاعة المؤسسية لمعالجتها، لأن المكاشفة والمصارحة لا تُضعف النظام السياسي، بل تعزز شرعيته، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.

أما سياسياً، فإن استمرار الغموض يفتح الباب أمام التأويلات والإشاعات، ويعمق فجوة الثقة، ويعزز الانطباع بأن بعض الملفات تُفتح في توقيتات معينة ثم تُغلق في توقيتات أخرى، وهو ما يسيء إلى مفهوم العدالة المتساوية، ويضعف صورة المؤسسات أمام الرأي العام المحلي والدولي، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى أعلى درجات التماسك الداخلي والشفافية المؤسسية.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل الاحتلال والاستيطان والحصار والانقسام والأزمات الاقتصادية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح النزاهة والحوكمة الرشيدة جزءاً من منظومة الصمود الوطني، لأن المجتمعات التي تتمتع بمؤسسات قوية وشفافة تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية وحشد الدعم الدولي.

إن مكافحة الفساد ليست معركة ضد أشخاص، وإنما هي معركة من أجل حماية المال العام، وتعزيز استقلال القضاء، وتحصين القرار الوطني، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وإعادة الاعتبار للمواطن الذي يريد أن يرى أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء أو انتقائية.

لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الإجراءات، ومن مرحلة إثارة الملفات إلى مرحلة الحسم القانوني. فإذا كانت هناك ملفات موثقة، فمن الواجب إحالتها إلى القضاء وإعلان نتائج التحقيقات بكل شفافية. وإذا لم تثبت الوقائع، فمن حق من طالتهم الاتهامات أن تُصان سمعتهم وأن يُعلن ذلك للرأي العام، حمايةً للعدالة وسيادة القانون.

إن الصمت بعد الضجيج لا يجيب عن الأسئلة، بل يضاعفها. والسكوت بعد الوعود لا يعزز الثقة، بل يضعفها. وما يحتاجه المواطن اليوم ليس مزيداً من التصريحات، وإنما مؤسسات قادرة على العمل باستقلالية، وقضاء يحظى بثقة الجميع، وهيئات رقابية تمارس دورها دون خوف أو تدخل.

فالمساءلة ليست شعاراً سياسياً، والمكاشفة ليست موسماً إعلامياً، والمصارحة ليست وسيلة لتسجيل المواقف، بل هي التزام وطني وأخلاقي وقانوني، لأنها تشكل الأساس الذي تُبنى عليه الدول وتحافظ به الشعوب على ثقتها بمؤسساتها.

ويبقى السؤال قائماً، ليس بدافع الإثارة، وإنما بدافع الحرص على المصلحة الوطنية: أين وصلت تلك الملفات التي شغلت الرأي العام؟ وهل ستكشف المؤسسات المختصة للرأي العام ما انتهت إليه التحقيقات، أم سيظل الصمت هو العنوان، وتبقى الأسئلة معلقة بانتظار إجابات تستحقها دولة تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون والعدالة والشفافية؟