من أريحا الكنعانية إلى الداخل المحتل: كيف تحمي الكلمة الهوية الفلسطينية؟
من أريحا الكنعانية إلى الداخل المحتل: كيف تحمي الكلمة الهوية الفلسطينية؟
محمد قاروط أبو رحمه
المقدمة
من عمق التاريخ وفوق أرض أريحا الكنعانية، التقت الجغرافيا بالذاكرة لتؤكد أن الصراع على هذه الأرض هو صراع وعي وسردية في المقام الأول. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه سياسات التهويد ومحاولات الأسرلة لطمس الوجود العربي الفلسطيني، يبرز الحبر والقرطاس كخط دفاع لا يقل ضراوة عن الثبات الميداني.
ومن هذا المنطلق الفكري، فتحت مكتبة أريحا العامة حواراً وطنياً ممتداً مع أدباء الداخل المحتل، لتبحث في سؤال الساعة: كيف تحمي الكلمة الهوية الفلسطينية؟ وكيف تحولت المهرجانات الشعرية، والروايات الساخرة، وصفحات الصحافة الوطنية إلى دروع صلبة كسرت حاجز الخوف، وحفظت لسان الأمة وثقافتها من التذويب عبر الأجيال؟
أولاً: الكلمة كجبهة مقاومة ناعمة
الندوة أكدت أن الكلمة لم تكن يوماً هامشاً ثقافياً، بل كانت جبهة مقاومة ممتدة، تعمل على تثبيت الذاكرة الجمعية، وصناعة وعي قادر على مواجهة محاولات محو الهوية أو إعادة تشكيلها خارج سياقها التاريخي.
ثانياً: الكلمة بين الداخل والضفة وغزة والقدس والشتات… كسر العزل
أحد أهم أبعاد اللقاء تمثل في إعادة وصل ما فصلته الجغرافيا والسياسة، عبر التشبيك بين مثقفي الداخل الفلسطيني (48) والضفة الغربية، بما يعيد الاعتبار لفكرة الكل الفلسطيني كمنظومة ثقافية واحدة.
ثالثاً: الكلمة كحارس للغة والذاكرة
أكد المشاركون أن اللغة العربية ليست وسيلة تعبير فقط، بل هي بنية الهوية نفسها. فكل تراجع لغوي هو تراجع في الذاكرة، وكل ضعف في اللسان هو ثغرة في جدار الانتماء.
رابعاً: من الأدب المقاوم إلى الأدب الغاضب
استعرضت المداخلات تطور التجربة الأدبية الفلسطينية من الأدب المقاوم بعد النكبة، إلى الأدب الغاضب بعد عام 1967، بوصفه تحولات في أدوات التعبير لا انقطاعاً في جوهر الفعل الثقافي.
خامساً: الصحافة الوطنية كرافعة وعي
تم التأكيد على الدور التاريخي للصحافة الفلسطينية، وخاصة تجربة صحيفة الاتحاد، في بناء وعي جماهيري، وكسر حاجز الخوف، وتحويل الكلمة المكتوبة إلى أداة تنظيم وتنوير ومقاومة معرفية.
سادساً: استعادة إرث الرواد
شكّل استحضار رموز مثل توفيق زياد، سميح القاسم، إميل حبيبي، ومحمد علي طه، محاولة لتحويل الإرث من ذاكرة محفوظة إلى مشروع عمل ثقافي حيّ، يُلهم الأجيال الجديدة ويعيد تعريف الالتزام الأدبي.
سابعاً: المؤسسات الثقافية كمساحات فعل وطني
أبرزت الندوة أن المكتبات والمنتديات لم تعد أماكن حفظ كتب، بل تحولت إلى ساحات إنتاج وعي، وإلى منصات حوار وطني قادرة على التأثير في الوعي الجمعي.
ثامناً: الأدب الملتزم كخيار وجودي
تم التأكيد على أن الأدب الملتزم ليس تقييداً للإبداع، بل هو توجيه له نحو خدمة الهوية، وأن الثقافة في السياق الفلسطيني هي جزء من معركة الوجود وليست ترفاً جمالياً.
تاسعاً: الكلمة والوحدة الروحية والثقافية
برز في سياق اللقاء البعد الروحي والثقافي للوحدة.
عاشراً: التشبيك الثقافي كاستراتيجية بقاء
خلص اللقاء إلى أن ربط الداخل بالضفة، وتفعيل التعاون بين المؤسسات الثقافية، ليس خياراً تنظيمياً فقط، بل ضرورة استراتيجية لحماية الوعي الفلسطيني من العزل والتشظي.
الخاتمة
إن ندوة أريحا الثقافية لم تكن مجرد استعراض تاريخي لمحطات الأدب المقاوم والأدب الغاضب، بل كانت بياناً حياً يثبت تكامل الجسد الفلسطيني وتلاحمه ثقافياً وروحياً.
لقد برهن هذا اللقاء على أن إرث الرواد لا يزال نابضاً في عروق الأجيال الجديدة، وأن التشبيك بين مؤسسات الضفة والداخل هو السبيل الأوحد لكسر العزل الجغرافي.
وتبقى الحقيقة الراسخة التي خرجت بها أريحا اليوم: ما دام في فلسطين كاتب يوثق، وشاعر يصدح، ومؤسسة ترعى الوعي، فإن كل محاولات تزوير التاريخ ستتحطم على صخرة الكلمة الملتزمة، ليبقى الصوت الفلسطيني حر
اً، عربياً، وكنعانياً أصيلاً.



