من سان ماميس إلى غزة... مباراة فلسطين والباسك تؤسس لدبلوماسية رياضية تنتصر للإنسان والقانون الدولي

تقرير: المحامي علي أبو حبلة

يوليو 16, 2026 - 08:20
من سان ماميس إلى غزة... مباراة فلسطين والباسك تؤسس لدبلوماسية رياضية تنتصر للإنسان والقانون الدولي

من سان ماميس إلى غزة... مباراة فلسطين والباسك تؤسس لدبلوماسية رياضية تنتصر للإنسان والقانون الدولي

تقرير: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد منافسة على الألقاب والكؤوس، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية في العلاقات الدولية، وقادرة على التأثير في الرأي العام العالمي بما قد تعجز عنه الدبلوماسية التقليدية. وقد جاءت المبادرة الإنسانية التي أطلقتها المباراة الودية بين المنتخب الفلسطيني ومنتخب إقليم الباسك، والتي أسفرت عن جمع 609 آلاف يورو لصالح منظمة "أطباء بلا حدود" لدعم برامجها الطبية في قطاع غزة، لتقدم نموذجاً عملياً على هذا التحول.

ففي الوقت الذي أخفقت فيه المؤسسات الدولية في توفير الحماية الكافية للمدنيين الفلسطينيين، نجحت الرياضة في إيصال رسالة سياسية وأخلاقية وإنسانية تجاوزت حدود الملاعب، مؤكدة أن الشعوب ما زالت تمتلك القدرة على الدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية.

ولم يكن نجاح هذه المبادرة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية قادها رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، الذي أدرك مبكراً أن الرياضة يمكن أن تكون منصة للدفاع عن الحقوق الوطنية والإنسانية، وليست مجرد منافسة رياضية. فقد اقترح تحويل كامل ريع المباراة إلى دعم القطاع الصحي في غزة، وهو ما وافق عليه الاتحاد الباسكي لكرة القدم، لتتحول المباراة إلى نموذج متقدم للدبلوماسية الرياضية والإنسانية.

ولم تكن كلمات الرجوب خلال الاحتفال بإعلان قيمة التبرعات مجرد خطاب بروتوكولي، بل حملت مضموناً سياسياً وإنسانياً عميقاً عندما أكد أن "المباراة كانت أكبر من مجرد كرة قدم"، وأن كل تذكرة بيعت تحولت إلى دواء وعملية جراحية وأمل لعائلات فلسطينية تواجه واحدة من أصعب الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. بهذا الخطاب، نقل الرجوب القضية الفلسطينية من إطارها السياسي التقليدي إلى فضاء القيم الإنسانية العالمية، وهو ما منح المبادرة زخماً واسعاً لدى الرأي العام الأوروبي.

وفي المقابل، جاء موقف رئيس الاتحاد الباسكي لكرة القدم إيكير غوني ليؤكد أن المجتمع الباسكي لا ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها شأناً سياسياً بعيداً، بل قضية إنسانية تتعلق بحماية المدنيين واحترام الكرامة الإنسانية. فقد شدد على أن كل تذكرة اشتراها الجمهور كانت "رسالة تضامن والتزام مع شعب ما زال يعيش ظروفاً قاسية"، مؤكداً أن التضامن لا يعترف بالحدود ولا يقف عند الانتماءات السياسية.

كما عكس الحضور الرسمي الإسباني والباسكي للفعالية، إلى جانب ممثلي منظمة "أطباء بلا حدود"، اتجاهاً متنامياً داخل المجتمع الإسباني لدعم المبادرات الإنسانية المرتبطة بغزة، في انسجام مع المواقف التي شهدتها إسبانيا خلال الفترة الأخيرة، سواء على المستوى الشعبي أو المؤسسي، والتي أكدت ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين ورفض استهداف المنشآت الطبية والإغاثية.

ومن الناحية القانونية، فإن هذه المبادرة تكتسب أهمية خاصة لأنها تنسجم مع المبادئ التي أرستها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والتي تؤكد ضرورة حماية السكان المدنيين وضمان وصول الخدمات الطبية والإغاثية دون عوائق. كما تعكس دعماً عملياً للحق في الصحة والعلاج، وهو حق تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لقد أثبتت المباراة أن الرياضة تستطيع أن تؤدي دوراً مكملاً للقانون الإنساني الدولي، ليس عبر إصدار القرارات، وإنما عبر حشد الضمير العالمي، وتحويل التضامن الشعبي إلى موارد مالية تسهم في إنقاذ الأرواح. فالملعب الذي احتضن آلاف المشجعين تحول إلى مساحة للدفاع عن الإنسان، وأصبحت كرة القدم أداة من أدوات الدبلوماسية الشعبية التي تخاطب الشعوب بلغتها المشتركة.

إن التجربة الفلسطينية-الباسكية تؤسس لمرحلة جديدة من توظيف الرياضة في خدمة القضايا الإنسانية، وتؤكد أن القوة الناعمة باتت قادرة على التأثير في تشكيل الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية. كما أنها تقدم نموذجاً يمكن أن تحتذي به الاتحادات الرياضية الدولية، بحيث تصبح الأحداث الرياضية منصات لتعزيز ثقافة السلام والعدالة، ودعم مبادئ القانون الدولي الإنساني.

وفي ظل استمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة، فإن ما تحقق في ملعب "سان ماميس" لم يكن مجرد مباراة خيرية، بل رسالة عالمية مفادها أن الشعوب تستطيع أن تتحرك عندما تتردد الحكومات، وأن الرياضة قادرة على أن تصبح جسراً بين العدالة والقانون، وبين التضامن الإنساني والكرامة البشرية، لتؤكد أن الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد الأهداف المسجلة، بل بعدد الأرواح التي يمكن إنقاذها عندما ينتصر الضمير الإنساني.