الانتخابات الفلسطينية بين مقتضيات الشرعية وحسابات السياسة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يوليو 16, 2026 - 08:20
الانتخابات الفلسطينية بين مقتضيات الشرعية وحسابات السياسة

الانتخابات الفلسطينية بين مقتضيات الشرعية وحسابات السياسة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أعادت التصريحات التي أدلى بها القيادي في حركة فتح أحمد غنيم، بشأن التوجه نحو تعديل قانون الانتخابات واقتصارها على المجلس التشريعي مع إرجاء الانتخابات الرئاسية، فتح باب النقاش حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ومدى قدرة مؤسساته على استعادة الشرعية الدستورية في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية.
فالقضية لا تتعلق بتعديل إجرائي أو تقني في قانون الانتخابات، وإنما تمس جوهر النظام السياسي وآليات تجديد الشرعيات، في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة على وجوده الوطني، ومحاولات إسرائيلية متواصلة لتصفية القضية الفلسطينية، وتفكيك مؤسساتها، وإضعاف قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
سياسياً، تكشف الدعوات إلى إجراء انتخابات تشريعية دون انتخابات رئاسية عن وجود تباين في الرؤى داخل المشهد السياسي الفلسطيني بشأن إدارة المرحلة المقبلة. فالانتخابات، في الأنظمة الديمقراطية، ليست مجرد عملية اقتراع، وإنما منظومة متكاملة تهدف إلى تجديد الشرعية وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. وعندما يتم الفصل بين الاستحقاقات الدستورية، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول الأسس التي تحكم هذا الخيار، ومدى ارتباطه بالاعتبارات السياسية أكثر من ارتباطه بالمبادئ الديمقراطية.
ولا يمكن إغفال أن البيئة الفلسطينية تواجه تحديات استثنائية، تتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام الداخلي، واستمرار العدوان على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، إلى جانب رفض إسرائيل السماح بإجراء الانتخابات في القدس المحتلة. وهي عوامل تجعل تنظيم انتخابات شاملة مهمة بالغة التعقيد، لكنها في الوقت ذاته لا تلغي الحاجة إلى رؤية وطنية واضحة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية.
أما قانونياً، فإن القانون الأساسي الفلسطيني يقوم على مبدأ تكامل السلطات، ويؤكد أن الشرعية الدستورية تستند إلى الاحتكام للإرادة الشعبية عبر انتخابات دورية. ومن ثم، فإن أي تعديل على قانون الانتخابات يجب أن يراعي المبادئ الدستورية، ويحافظ على تكافؤ الفرص بين جميع القوى السياسية، وألا يتحول إلى أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي وفق اعتبارات ظرفية أو حسابات آنية. كما أن استقرار القواعد القانونية المنظمة للانتخابات يعد أحد أهم ضمانات نزاهة العملية الديمقراطية، وهو مبدأ تأخذ به الأنظمة الديمقراطية المقارنة.
وتكتسب التصريحات المتعلقة بوجود ضغوط أو إملاءات خارجية أهمية خاصة في ظل الواقع الفلسطيني، الذي يتأثر بعوامل إقليمية ودولية متعددة، سواء من خلال المساعدات المالية، أو المبادرات السياسية، أو الضغوط الدبلوماسية. غير أن القرار الوطني الفلسطيني، إذا أراد الحفاظ على شرعيته ومصداقيته، يجب أن يستند أولاً إلى الإرادة الوطنية الجامعة وإلى المصلحة الفلسطينية العليا، لأن أي انطباع بأن القرارات المصيرية تصاغ خارج المؤسسات الوطنية من شأنه أن يضعف الثقة الشعبية ويزيد من حالة الاستقطاب.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية بصورة منفصلة، وإنما في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، وإنهاء الانقسام، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة، وضمان مشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني، بما في ذلك القدس، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، فإن تجديد الشرعيات الفلسطينية لم يعد مجرد استحقاق داخلي، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية لتعزيز الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وتمكين المؤسسات الفلسطينية من مواجهة المشاريع الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس الاحتلال وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن قوة النظام السياسي لا تقاس بقدرته على إدارة الانتخابات فحسب، وإنما بقدرته على ترسيخ سيادة القانون، واحترام الدستور، وتجسيد الإرادة الشعبية في مؤسسات تتمتع بالمشروعية والثقة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء توافق وطني شامل يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى الوحدة والشراكة والشرعية الديمقراطية، باعتبارها الركائز الأساسية لصمود المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة أخطر التحديات التي تعترضه.