اغتيال محمد فواز الوحيدي... هل يبعث الاحتلال برسالة إلى مصر أم يوسع دائرة استهداف العمل الإنساني؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
اغتيال محمد فواز الوحيدي... هل يبعث الاحتلال برسالة إلى مصر أم يوسع دائرة استهداف العمل الإنساني؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لا يمكن النظر إلى استشهاد محمد فواز الوحيدي، الذي كان يعمل في إطار اللجنة المصرية لإغاثة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، باعتباره حادثًا عابرًا في سياق الحرب الدائرة على القطاع. فالواقعة تطرح جملة من الأسئلة السياسية والاستراتيجية والقانونية التي تستحق التوقف عندها، خاصة أنها جاءت في مرحلة تتصدر فيها مصر المشهد السياسي والإنساني باعتبارها الوسيط الرئيس في جهود وقف إطلاق النار، والجهة التي تقود جانبًا كبيرًا من عمليات إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع تزامن الحادث مع حالة تضامن شعبي واسعة مع فلسطين، تجلت في رفع الأعلام الفلسطينية خلال منافسات كأس العالم، وفي مقدمتها المباريات التي خاضها المنتخب المصري، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل: هل أرادت إسرائيل توجيه رسالة سياسية؟ وهل كان الهدف تقويض الدور المصري، أم توسيع دائرة استهداف المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع؟
الإجابة الموضوعية تقتضي التمييز بين الوقائع الثابتة وبين التحليل السياسي. فلا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت أن توقيت العملية ارتبط بالأحداث الرياضية أو أن الهدف كان توجيه رسالة مباشرة إلى الدولة المصرية. غير أن غياب الدليل لا يمنع من قراءة الحدث في سياقه الاستراتيجي، خاصة في ظل سياسة إسرائيلية تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري والإنساني داخل قطاع غزة.
لقد أثبتت الشهور الماضية أن الاحتلال لم يعد يقتصر على استهداف البنية العسكرية، بل امتد ليطال المستشفيات، والمدارس، ومراكز الإيواء، والصحفيين، والطواقم الطبية، والعاملين في المؤسسات الإغاثية، في نمط متكرر أثار انتقادات واسعة من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية. وإذا ثبت أن الوحيدي كان يؤدي مهمة إنسانية وقت استهدافه، فإن ذلك يثير مسؤولية قانونية بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، اللذين يمنحان العاملين في المجال الإنساني حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة.
سياسيًا، تمثل مصر حجر الزاوية في أي ترتيبات تتعلق بقطاع غزة، سواء في ملف التهدئة أو تبادل الأسرى أو إدخال المساعدات أو إعادة الإعمار. ومن هنا، فإن استهداف شخصية مرتبطة بالعمل الإغاثي المصري، حتى وإن لم يكن موجهًا ضد مصر بصورة مباشرة، يضع القاهرة أمام تحديات جديدة، ويثير تساؤلات حول مدى احترام إسرائيل للترتيبات الإنسانية التي تشارك مصر في رعايتها.
كما أن هذا الاستهداف يوجه رسالة مقلقة إلى جميع المؤسسات الإنسانية العاملة في غزة، مفادها أن العمل الإغاثي نفسه لم يعد بمنأى عن مخاطر الحرب، الأمر الذي يهدد بتقليص قدرة تلك المؤسسات على الوصول إلى المدنيين، ويزيد من حدة الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.
قانونيًا، فإن استهداف المدنيين أو العاملين في المجال الإنساني، إذا لم يكن هناك هدف عسكري مشروع يبرر ذلك، قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلاً يحدد المسؤوليات ويضمن عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المساءلة.
أما على المستوى السياسي، فإن المطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يستدعي تحركًا دبلوماسيًا وقانونيًا أكثر فاعلية، سواء من جانب مصر أو من جانب المجتمع الدولي، لضمان حماية العاملين في المجال الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن أي استهداف متعمد لهم، باعتبار ذلك جزءًا من الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي.
إن اغتيال محمد فواز الوحيدي، بصرف النظر عن الدافع المباشر وراء استهدافه، يعكس حقيقة خطيرة تتمثل في أن الحرب في غزة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتصبح حربًا على مقومات الحياة ذاتها، وعلى كل من يسعى إلى إنقاذ المدنيين أو التخفيف من معاناتهم.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل سيبقى استهداف العاملين في المجال الإنساني يمر دون مساءلة دولية حقيقية، أم أن المجتمع الدولي سيقرر أخيرًا تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني على الجميع دون استثناء أو ازدواجية في المعايير؟
إن حماية العمل الإنساني ليست شأنًا فلسطينيًا أو مصريًا فحسب، بل هي مسؤولية دولية وأخلاقية وقانونية. وأي صمت على استهداف العاملين في الإغاثة يشكل سابقة خطيرة تهدد مستقبل العمل الإنساني في مناطق النزاعات كافة، وتفتح الباب أمام تقويض أحد أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني، وهو تحييد المدنيين والعاملين في تقديم المساعدة عن أتون الحروب.



