عندما تصبح الصورة أقوى من الحقيقة.. «اللايك» يعيد تشكيل السياسة والمجتمع
المحامي علي أبوحبلة
عندما تصبح الصورة أقوى من الحقيقة.. «اللايك» يعيد تشكيل السياسة والمجتمع
المحامي علي أبوحبلة
لم يعد «اللايك» مجرد إشارة إعجاب عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحول تدريجياً إلى مقياس للشهرة والحضور والتأثير، حتى باتت الصورة أحياناً أكثر قدرة على صناعة الانتباه من الفكرة، والمنشور المثير أكثر انتشاراً من المقال العميق، والعنوان الصادم أسرع وصولاً من الحقيقة التي تحتاج إلى قراءة وتدقيق.
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات العصر الرقمي: أن يصبح جذب الانتباه أهم من امتلاك ما يستحق الانتباه.
وتبدو هذه الظاهرة بوضوح في المحتوى الاجتماعي والشخصي، بما في ذلك الصور والمنشورات المرتبطة بالمناسبات والحياة اليومية والمشاعر، التي تحصد في كثير من الأحيان تفاعلاً واسعاً يفوق ما تحققه المنشورات الفكرية والسياسية والمهنية. لكن تفسير ذلك بجاذبية الصورة وحدها قراءة سطحية؛ فالمسألة ترتبط بطبيعة المنصات وسلوك الجمهور وآليات الخوارزميات التي تكافئ المحتوى القادر على استثارة التفاعل السريع.
الصورة لا تحتاج إلى حجة، أما الفكرة فتحتاج إلى وقت.
منشور اجتماعي يمكن استهلاكه خلال ثوانٍ، بينما يحتاج مقال سياسي أو قانوني إلى تركيز وقراءة وفهم للسياق والمصادر. لذلك يصبح المحتوى السهل أكثر قدرة على المنافسة في بيئة رقمية تقوم على السرعة والانتقال المستمر من منشور إلى آخر.
وهكذا يتغير السؤال من: «ما قيمة ما أقرأ؟» إلى: «هل استوقفني؟» وهذه ليست مجرد مسألة تقنية، بل تحول في معايير المعرفة نفسها.
كما أن «اللايك» ليس بالضرورة تصويتاً للمحتوى. فقد يكون مجاملة أو تعبيراً عن صداقة أو تسجيل حضور، وقد يكون إعجاباً بالشخص لا بالفكرة. لذلك فإن ملايين التفاعلات لا تعني بالضرورة ملايين القراءات أو الاقتناع بالمضمون.
قد يحقق منشور آلاف الإعجابات ثم يختفي بعد أيام، بينما يقرأ مقال محدود العدد من الناس، لكن فكرته تتحول إلى نقاش أو موقف أو قرار.
التأثير الحقيقي لا يُقاس دائماً بما يظهر على الشاشة.
والأكثر خطورة يبدأ عندما تنتقل هذه المعادلة إلى السياسة. فحين يصبح السياسي أسيراً للخوارزمية، قد يتحول التصريح الأكثر استفزازاً إلى الأكثر انتشاراً، ويصبح الجدل بديلاً عن البرنامج، والصورة بديلاً عن الإنجاز، والشائعة أسرع من التصحيح.
فالخوارزمية تعمل وفق منطق التفاعل: محتوى يجذب الانتباه يحصل على انتشار أكبر، والانتشار يجلب مزيداً من التفاعل، فينشأ ما يشبه كرة الثلج التي تضخم الشهرة وتوحي أحياناً بأن الانتشار دليل على القيمة.
وهنا يبرز الخطر الديمقراطي: هل أصبح الرأي العام يُصنع على أساس ما يستحق أن يُقال، أم على أساس ما يجذب أكبر عدد من المشاهدات؟
المشكلة ليست في المرأة عندما تنشر صورتها، ولا في الرجل عندما يكتب رأياً أو ينشر صورة شخصية. وليست في «اللايك» بحد ذاته. المشكلة عندما يتحول عدد الإعجابات إلى معيار لقيمة الإنسان، وعندما يصبح النجاح مرهوناً بإرضاء الجمهور والخوارزمية بدلاً من احترام العقل والحقيقة.
ليس كل مشهور مؤثراً، وليس كل مؤثر صاحب معرفة، وليس كل منشور متصدر للترند مهماً، كما أن قلة التفاعل لا تعني ضعف الفكرة.
المجتمعات لا تنهض بعدد الإعجابات، والديمقراطية لا تُبنى بعدد المشاهدات، والحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها تصدرت الترند.
لقد دخلنا عصراً تستطيع فيه الخوارزميات أن تؤثر في ما نراه، وما يختفي عن أعيننا، ومن يزداد شهرة ومن يبقى في الهامش. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الرجل والمرأة، ولا بين الصورة والكلمة، وإنما بين السطحية والعمق، وبين الشعبية والقيمة، وبين ما يجذب العين وما يستحق أن يسكن العقل.
والسؤال الأهم ليس: كم شخصاً أعجب بمنشورنا؟ ؟؟ بل: كم شخصاً غيّر هذا المنشور طريقة تفكيره؟
فقد تصنع الصورة لحظة شهرة، لكن الفكرة هي التي تصنع الوعي، والوعي وحده هو القادر على صناعة مجتمع أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.



