لو أن كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا… إفلاس الفكر حين يعجز عن الحجة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لو أن كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا… إفلاس الفكر حين يعجز عن الحجة
مقدمه
لو كل كلب عوى ألقمته حجـراً...لأصبح الصخر مثقالاً بـدينـار
" كم من لئيم مشى بالزور ينقـلـه**لا يتقي الله لا يخشى من العـار
يود لو أنه للـمـرء يهـلـكـه **ولم ينلـه سـوى إثـم وأوزار
فما تبالي السما يوماً إذا نبـحـت **كل الكلاب وحق الواحد الباري
"يوسف بن علي الفارسكوري الشافعي"
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
منذ القدم أدرك الحكماء أن كثرة الضجيج لا تعني قوة الحجة، وأن ارتفاع الأصوات لا يعكس بالضرورة عمق الفكر، فكم من أصواتٍ علا صخبها ثم طواها النسيان، وكم من كلماتٍ صادقة بقيت خالدة لأنها صدرت عن عقلٍ واعٍ وضميرٍ حي. ويصدق في ذلك المثل العربي الشهير: "لو أن كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا، لأصبح الصخر مثقالًا بدينار"، وهو مثل يعبّر عن حكمة عميقة مفادها أن الإنسان العاقل لا يستنزف وقته في ملاحقة كل إساءة أو الرد على كل ناعق، لأن بعض الأصوات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن إثارة الجدل وصناعة الضجيج.
إن أخطر مظاهر الإفلاس الفكري أن يعجز الإنسان عن مواجهة الفكرة بالفكرة، والحجة بالحجة، فيلجأ إلى التشويه والاتهام والتجريح. فحين يغيب المنطق يحضر الصراخ، وحين تضعف المعرفة تظهر الأحكام الجاهزة، وحين يفقد البعض القدرة على الإقناع يحاولون اغتيال الأشخاص بدل مناقشة أفكارهم.
وقد أشار الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى أهمية البرهان والمنطق في بناء المعرفة، مؤكدًا أن قيمة القول لا تُقاس بانتشاره أو بعلو الصوت الذي يحمله، بل بما يستند إليه من دليل وعقل. كما بيّن ابن خلدون في مقدمته أن العمران البشري يقوم على العلم والعقل، وأن الجهل يؤدي إلى اضطراب الأحكام واختلال ميزان التمييز بين الحق والباطل.
إن المفلس فكريًا هو من لا يملك مشروعًا ولا رؤية، فيعوض عن فراغه بمحاولة النيل من الآخرين، ويستبدل الحوار بالتشهير، والنقد بالتجريح، والبرهان بالاتهام. فصاحب الفكر الحقيقي يناقش الفكرة ولا يهاجم صاحبها، أما من يعجز عن مواجهة الفكرة فإنه يبحث عن ثغرة في شخص صاحبها، ظنًا منه أن إسقاط الإنسان يغني عن تفنيد الحجة.
وقد حذر الفيلسوف فرانسيس بيكون من سيطرة الأوهام على العقل البشري، مبينًا أن الإنسان قد يقع أسيرًا للأحكام المسبقة إذا غاب عنه التفكير النقدي. وهذا ما نراه في زمننا حين يتحول بعض الأشخاص إلى أسرى للشائعات والانطباعات السطحية، فيصدرون أحكامًا قاسية دون معرفة أو تحقيق.
إن أصحاب العقول الراجحة لا ينشغلون بكل نقد، ولا يطاردون كل إساءة، لأنهم يدركون أن الرد على كل صوت عابر يمنحه قيمة لا يستحقها. أما صاحب الرسالة والفكر، فإنه يختار معاركه بعناية، ويترك للتاريخ مهمة التمييز بين من حملوا رسالة البناء، ومن عاشوا على الهدم والخصومة.
فالكلمة مسؤولية، والقلم أمانة، والعقل لا يثبت وجوده بكثرة الخصوم، بل بقدرة صاحبه على تقديم المعرفة والحجة. ومن يفتقر إلى الدليل يبحث عن الضجيج، ومن يفتقر إلى الفكر يبحث عن التشويه، أما أصحاب العقول الحقيقية فيدركون أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تنتصر، لأن الزمن كفيل بكشف الزيف وإبراز قيمة الكلمة الصادقة.



