الفيسبوك ليس ساحة مباحة للإساءة إلى الدول والمقدسات

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

سبتمبر 19, 2026 - 09:19
الفيسبوك ليس ساحة مباحة للإساءة إلى الدول والمقدسات

الفيسبوك ليس ساحة مباحة للإساءة إلى الدول والمقدسات
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد وسيلة للتواصل الاجتماعي، بل أصبح فضاءً عامًا تتقاطع فيه حرية الرأي مع المسؤولية القانونية والأخلاقية. ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن شاشة الهاتف تمنح صاحب الحساب حصانة، وأن ما يكتب على «فيسبوك» يبقى خارج نطاق القانون، هو اعتقاد لا يستند إلى قاعدة قانونية.
الأصل أن حرية الرأي والتعبير حق مكفول. فالمادة (19) من القانون الأساسي الفلسطيني تنص على أنه «لا مساس بحرية الرأي»، وتكفل حق التعبير بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير، لكن مع مراعاة أحكام القانون. كما تكفل المادة (18) حرية العقيدة والعبادة وممارسة الشعائر الدينية في إطار القانون.
لكن الحرية ليست ترخيصًا مفتوحًا للسب أو التشهير أو التحريض أو إثارة الكراهية.
وهنا تكمن المسألة القانونية الأساسية: هناك فرق بين انتقاد دولة أو حكومة أو سياسة عامة، وبين استهداف شعب أو جماعة دينية أو مذهبية بخطاب يحرض على التمييز أو العداوة أو العنف. كما أن انتقاد مسؤول أو مؤسسة عامة لا يساوي بالضرورة الإساءة إلى دولة أو إلى عقيدة دينية.
وقد حسم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذه المعادلة في المادتين (19) و(20). فحرية التعبير حق أصيل، لكنها تقترن بواجبات ومسؤوليات، ويجوز إخضاعها لقيود محددة قانونًا وضرورية لحماية حقوق الآخرين أو سمعتهم أو النظام العام. وفي المقابل، يحظر القانون الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية عندما تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. وقد نشرت دولة فلسطين العهد رسميًا بموجب قرار بقانون رقم (18) لسنة 2023، بعد انضمامها إليه عام 2014.
وفي المجال الإلكتروني تحديدًا، فإن قرار بقانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني رقم (10) لسنة 2018 يتعامل صراحة مع المحتوى المنشور عبر المواقع والحسابات ووسائل تكنولوجيا المعلومات. وتنص المادة (24) على تجريم الكلمات أو السلوكيات التي من شأنها إثارة الكراهية العنصرية أو الدينية أو التمييز العنصري بحق فئة معينة بسبب انتمائها العرقي أو المذهبي أو غير ذلك من الأسباب التي حددها النص. كما تتناول المادة (25) المحتوى المتعلق بالتشويه أو التبرير لأعمال الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والتحريض عليها.
وهذا يعني أن المحتوى الرقمي ليس خارج الولاية القانونية لمجرد أنه منشور على منصة اجتماعية.
والأخطر أن بعض مستخدمي وسائل التواصل يتعاملون مع المقدسات الدينية باعتبارها مادة للسخرية والاستفزاز وتسجيل المواقف، بينما تتحول بعض المنشورات إلى خطاب يستهدف أتباع دين أو مذهب أو جماعة بأكملها. هنا لا تعود القضية مجرد «منشور مستفز»، وإنما يصبح السؤال: هل تجاوز المحتوى حدود الرأي إلى الكراهية أو التحريض أو الاعتداء على حقوق الآخرين؟
وفي المقابل، يجب ألا تتحول حماية المقدسات إلى ذريعة لخنق النقد أو تجريم الرأي المخالف. فقد أوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن حرية التعبير تمتد إلى آراء قد تكون صادمة أو مسيئة، وأن القيود يجب أن تستند إلى القانون وأن تكون ضرورية ومتناسبة، كما أن حظر التعبير المرتبط بالدين يرتبط بالظروف المحددة التي تبلغ فيها الدعوة إلى الكراهية حد التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.
ومن هنا، فإن حماية المقدسات لا تعني مصادرة حرية التفكير، كما أن حرية التعبير لا تعني منح أحد حق تحويل الفضاء الإلكتروني إلى منصة للتحريض والإهانة الجماعية.
أما الإساءة إلى الدول ورموزها، فينبغي أن تُقرأ قانونيًا وفق طبيعة الفعل ومضمونه والجهة المستهدفة والقانون المختص. فانتقاد حكومة أو سياسة خارجية يختلف عن السب والقذف والتشهير بالأشخاص، ويختلف كذلك عن التحريض على الكراهية ضد شعب أو جماعة دينية أو قومية.
المطلوب إذن ليس إسكات الناس، وإنما إخضاع الفضاء الإلكتروني لقاعدة بسيطة: لك أن تقول ما تشاء في حدود القانون، وليس لك أن تجعل من حرية التعبير ستارًا للاعتداء على حقوق الآخرين أو للتحريض على الكراهية والعنف.
فالفيسبوك ليس دولة بلا قانون، والحساب الإلكتروني ليس حصانة، وحرية التعبير ليست رخصة للإساءة.
وفي دولة القانون، لا تُدار هذه القضايا بمنطق الانتقام أو التشهير المضاد، وإنما عبر الأدلة، والتحقق من مصدر المحتوى، وتحديد المسؤولية، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، وترك الفصل النهائي للقضاء المختص.
إن العالم الرقمي يحتاج إلى وعي قانوني يوازي سرعة النشر. فكلمة تُكتب في ثوانٍ قد تبقى سنوات، ومنشور يظنه صاحبه عابرًا قد يتحول إلى دليل في قضية قانونية.
الحرية مسؤولية، والمقدسات ليست مادة للعبث، والدول والشعوب ليست أهدافًا مفتوحة للإهانة، والقانون لا يتوقف عند حدود شاشة الهاتف.