متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
قانون التحول: من المعرفة الحية إلى المعرفة المتراكمة المنفصلة عن التفكير
متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
قانون التحول: من المعرفة الحية إلى المعرفة المتراكمة المنفصلة عن التفكير
محمد قاروط أبو رحمه
كانت هذه السلسلة كلها محاولة للإجابة عن سؤال واحد ظل يرافقني سنوات طويلة:
متى تتحول المعرفة إلى عبء؟ لم يكن السؤال نظريًا.
بل ولد من ملاحظات متكررة أثناء العمل والتدريب والتعليم والإدارة والنقاشات الطويلة مع أشخاص يمتلكون مستويات عالية من المعرفة والثقافة والخبرة.
فقد كان يلفت انتباهي أن بعض أكثر الناس معرفة لم يكونوا دائمًا أكثرهم قدرة على الفعل أو المبادرة أو التعامل مع تعقيدات الواقع.
بل إن المعرفة نفسها كانت تتحول أحيانًا إلى أداة لتبرير التردد أو الانسحاب أو العجز.
وكان هذا يدفعني دائمًا إلى التساؤل:
كيف يمكن لشيء يفترض أنه مصدر قوة أن يتحول إلى مصدر إعاقة؟
فرضية البداية
في بداية السلسلة كان الافتراض أن المشكلة قد تكون في حجم المعرفة.
لكن مع تطور النقاشات والتجارب ظهرت صورة مختلفة.
فالمشكلة ليست في كثرة المعرفة. كما أنها ليست في قلة المعرفة. بل في طبيعة العلاقة بين الإنسان ومعرفته. فالمعرفة لا تتحول إلى عبء لأنها كثيرة. بل لأنها تتوقف عن أداء وظيفتها الأساسية.
ما الوظيفة الأساسية للمعرفة؟
قادتنا السلسلة إلى إعادة تعريف المعرفة نفسها.
فالمعرفة ليست معلومات. وليست محتوى. وليست تراكمًا لما نقرأه أو نحفظه. بل هي جزء من دورة حية تبدأ بالانتباه وتمر بالفهم والقرار والفعل والخبرة ثم تعود لتعيد تشكيل نفسها.
ولهذا فإن المعرفة الحية هي المعرفة التي تتحرك. أما المعرفة التي تتوقف عن الحركة فتبدأ بالتحول إلى عبء.
قانون التحول
بعد تتبع مسارات متعددة للتعلم والخبرة والعمل يمكن صياغة القانون المركزي لهذه السلسلة على النحو الآتي:
تتحول المعرفة إلى عبء عندما تُفهم بوصفها تراكمًا للمعلومات، لا بوصفها عملية مستمرة لإعادة تشكيل التفكير والفعل.
فالمعرفة الحية تغير طريقة النظر إلى العالم. وتعيد بناء الفهم. وتؤثر في القرارات. وتدخل إلى الواقع عبر الفعل. ثم تعود من الخبرة أكثر نضجًا.
أما المعرفة المتراكمة المنفصلة عن التفكير فتظل تدور داخل نفسها.
العلامة الأولى: حين تصبح المعرفة بديلًا عن الفهم
من أخطر صور العبء المعرفي أن يخلط الإنسان بين امتلاك المعلومات وامتلاك الفهم.
فقد يعرف الكثير عن موضوع ما دون أن يكون قادرًا على تفسيره أو التعامل معه.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا.
إذ أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، بينما بقي الفهم عملية إنسانية تتطلب الانتباه والربط والخبرة.
العلامة الثانية: حين تصبح المعرفة بديلًا عن القرار
بعض الناس لا يعانون من نقص المعلومات. بل من فائضها.
وكلما واجهوا قرارًا جديدًا بحثوا عن مزيد من المعلومات. ثم مزيد من المعلومات. ثم مزيد من المعلومات. حتى تصبح المعرفة وسيلة لتأجيل القرار بدل دعمه.
وهنا تتحول المعرفة من أداة للحسم إلى أداة للهروب من الحسم.
العلامة الثالثة: حين تصبح المعرفة بديلًا عن الفعل
كثير من الأفكار تبدو متماسكة ما دامت بعيدة عن الواقع. لكن الفعل هو الاختبار الحقيقي.
ولهذا فإن المعرفة التي لا تُختبر في الميدان تبقى ناقصة البنية.
وحين يعتاد الإنسان البقاء في دائرة القراءة والتحليل والنقاش دون الانتقال إلى الفعل، تبدأ المعرفة بالانفصال عن وظيفتها الأصلية.
العلامة الرابعة: حين تصبح المعرفة أداة للتبرير
هذه الظاهرة كانت من أكثر ما أثار هذا السؤال منذ البداية. فقد رأيت أشخاصًا يمتلكون معرفة واسعة يستخدمونها لتبرير عدم الانشغال بقضايا أو أعمال يمكن أن تخدم الناس.
وكان بعضهم يركز على أخطاء الأشخاص أو المؤسسات أو الظروف حتى تتحول هذه الأخطاء إلى حجج جاهزة لعدم الفعل. وهنا لا تصبح المعرفة وسيلة للفهم أو الحل. بل وسيلة لإنتاج مبررات أكثر تعقيدًا.
العلامة الخامسة: حين تنفصل المعرفة عن القصد الأخلاقي
أظهرت هذه السلسلة أن الأخلاق ليست عنصرًا يضاف إلى المعرفة بعد إنتاجها.
بل هي الإطار الذي يحدد غايتها، وطريقة اكتسابها، وتوظيفها، واختبارها.
ولهذا فإن المعرفة التي تفقد مقصدها الأخلاقي تصبح أكثر عرضة للتحول إلى عبء.
لأنها تفقد الاتجاه الذي يمنحها معناها ووظيفتها الإنسانية.
المعرفة الحية والمعرفة المتراكمة
يمكن التمييز بين نوعين من المعرفة:
المعرفة الحية:
تعيد تشكيل التفكير. تؤثر في القرارات. تُختبر في الفعل. تتعلم من الخبرة. تبقى قابلة للمراجعة والتطوير. أما:
المعرفة المتراكمة:
تزداد كمًّا فقط. تنفصل عن الفعل. تتحول إلى يقين مغلق. تستخدم للتبرير أكثر من الاستخدام العملي. تتوقف عن التعلم من الواقع. وهنا يبدأ العبء المعرفي بالظهور.
الذكاء الاصطناعي وقانون التحول
في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت المعلومات أكثر وفرة من أي وقت مضى.
ولهذا لم تعد قيمة الإنسان فيما يستطيع الوصول إليه من معرفة. بل فيما يستطيع أن يفعله بهذه المعرفة. كلما انخفضت كلفة الوصول إلى المعلومات، ازدادت أهمية:
الانتباه. الفهم. القصد الأخلاقي. الخبرة. القرار. الفعل المسؤول.
وهذه كلها عناصر لا يمكن اختزالها في المعلومات وحدها.
ما الذي تعلمناه؟
ربما يمكن تلخيص ما تعلمناه من السلسلتين الأولى والثانية في فكرة واحدة:
المعرفة ليست شيئًا نملكه. بل عملية نعيشها.
فهي تبدأ من الواقع. وتعود إلى الواقع.
وتنمو أثناء استخدامها. وتتغير أثناء اختبارها. وتتعلم من نتائجها.
ولهذا فإن المعرفة التي تتوقف عن الحركة تفقد حيويتها تدريجيًا.
الخلاصة
لم تعد الإجابة عن السؤال الذي بدأت منه السلسلة غامضة كما كانت في البداية.
فالمعرفة لا تتحول إلى عبء لأنها كثيرة. ولا لأنها معقدة. ولا لأنها عميقة.
بل تتحول إلى عبء عندما تنفصل عن وظيفتها داخل دورة التفكير والفعل والخبرة.
ولهذا يمكن صياغة القانون النهائي للسلسلة على النحو الآتي:
تتحول المعرفة إلى عبء عندما تتوقف عن إعادة تشكيل التفكير، وتتحول من معرفة حية تدخل في دورة الفهم والقرار والفعل والخبرة إلى معرفة متراكمة منفصلة عن الواقع والحركة والتعلم.
وعندما يحدث ذلك لا يعود العبء في كمية المعرفة، بل في جمودها.



