التشريعي ليس مسابقة «مين أنفخ»… والصندوق ليس صكّ غفران انتخابيًا
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
التشريعي ليس مسابقة «مين أنفخ»… والصندوق ليس صكّ غفران انتخابيًا
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يبدو أن بعض مواسم الانتخابات لا تبدأ بالبرامج الانتخابية، وإنما تبدأ بفتح «محطة النفخ» على أعلى درجة.
فجأة، يظهر لك المرشح وقد اكتشف في نفسه صفات لم يكن يعرفها طوال حياته: رجل دولة، ومشرّع من الطراز الأول، وخبير اقتصادي، ومحلل سياسي، وصاحب علاقات دولية، وعرّاب حلول، وربما بقي أن يعلن عن اكتشافه علاجًا للبطالة وارتفاع الأسعار وأزمة المرور في يوم واحد!
والمشكلة ليست في أن يطمح الإنسان إلى خدمة وطنه، فهذا حق مشروع، وإنما في أن يتحول الطموح إلى نسخة انتخابية من تضخيم الذات، بحيث يصبح المرشح أكبر من سيرته، وأضخم من تجربته، وأوسع من صلاحيات المنصب الذي يسعى إليه.
هنا تحديدًا يجب أن نتوقف.
المجلس التشريعي ليس معرضًا للألقاب، ولا مسابقة في عدد الصور، ولا بطولة في ارتفاع الصوت، ولا مكتبًا متنقلًا للوعود.
النائب في النهاية مشرّع ورقيب، وليس وزير خدمات ولا رئيس بلدية ولا مدير توظيف.
قليل من «النفخ» قد يصنع بالونًا… لكنه لا يصنع نائبًا
بعض الخطابات الانتخابية تثير سؤالًا بسيطًا:
لو صدّقنا كل ما يقوله بعض المرشحين عن أنفسهم، فمن بقي ليكون ناخبًا؟
فالجميع تقريبًا خبراء، والجميع أصحاب إنجازات، والجميع يعرفون الطريق إلى الحل، والجميع يملكون «المشروع الوطني»، والجميع لديهم القدرة على تغيير الواقع.
لكن عندما تسأل عن التفاصيل، يبدأ البالون بالانكماش تدريجيًا.
ما المشروع؟
كيف سينفذ؟
ما القانون الذي يحتاج إلى تعديل؟
ما صلاحية النائب في ذلك؟
كم ستبلغ الكلفة؟
ومن أين يأتي التمويل؟
ما الذي تستطيع فعله داخل المجلس، وما الذي يقع خارج اختصاصك؟
هنا يتحول الخطاب من «سأفعل» إلى «سنرى»، ومن «سأحل» إلى «سأعمل على»، ومن «غدًا» إلى «في المرحلة المقبلة»… ثم تكتشف في النهاية أن البرنامج الانتخابي كان عبارة عن جملة إنشائية طويلة ترتدي بدلة رسمية.
لا تجعلوا الشهادة الانتخابية «واسطة»
من عجائب الانتخابات أن بعض الناس يتعاملون مع اللقب الأكاديمي وكأنه تفويض دستوري.
دكتور؟ ممتاز.
محامٍ؟ ممتاز.
مهندس؟ ممتاز.
أستاذ جامعي؟ ممتاز.
لكن هل كل دكتور يصلح مشرّعًا؟ وهل كل محامٍ بالضرورة رجل سياسة؟ وهل كل مهندس قادر على ممارسة الرقابة البرلمانية؟ وهل كل صاحب لقب يعرف كيف يقرأ مشروع قانون أو موازنة عامة أو يمارس مساءلة سياسية؟
بالطبع لا.
اللقب يحترم صاحبه، لكنه لا يمنحه تلقائيًا أهلية تمثيل الناس.
المجلس يحتاج إلى معرفة وخبرة ونزاهة وقدرة على الحوار والفهم والتشريع والرقابة، قبل حاجته إلى بطاقات تعريف مليئة بالألقاب.
أخطر مرشح هو الذي يصدق دعايته
المشكلة الأكبر ليست في المرشح الذي يبالغ أمام الناس، وإنما في اللحظة التي يبدأ فيها بتصديق ما تقوله دعايته عنه.
عندها يصبح من الصعب التفريق بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز المصوَّر، وبين الحضور الشعبي وحضور الكاميرا، وبين العلاقات العامة والعلاقات الوطنية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الصورة أحيانًا أسرع من الحقيقة.
صورة مع مسؤول.
صورة في اجتماع.
صورة في مناسبة.
صورة مع وفد.
صورة أمام مؤسسة.
ثم تعليق طويل يوحي بأن صاحب الصورة كان وراء صناعة الحدث كله!
لكن الصورة لا تصنع مجدًا، كما أن كثرة الصور لا تغيّر حقيقة الواقع.
فالناس تعرف بعضها بعضًا، والتاريخ المهني لا يُكتب بواسطة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
«سأبني مدرسة»… جميل، ولكن من أين؟
من أكثر الظواهر التي تستحق التدقيق أن بعض المرشحين يخاطب الناخب وكأنه حكومة كاملة.
سأبني مدرسة.
سأوظف الشباب.
سأعبّد الطرق.
سأحل مشكلة المياه.
سأخفض الأسعار.
سأؤمن المشاريع.
وسأضع حدًا للبطالة!
طيب… وماذا سيبقى للحكومة؟
النائب يستطيع أن يشرّع ويراقب ويسائل ويفحص السياسات والموازنات، لكنه ليس جهة تنفيذية تتولى كل مشروع في البلاد.
ومن هنا ينبغي للناخب أن يتعلم فن السؤال:
هل هذا وعد تشريعي أم وعد تنفيذي؟
إذا كان تشريعيًا، ما القانون؟
وإذا كان رقابيًا، ما أداة الرقابة؟
وإذا كان مشروعًا تنفيذيًا، فما الجهة صاحبة الاختصاص؟
وإذا كان يحتاج إلى مليارات، فمن أين ستأتي الأموال؟
السؤال هنا ليس عداءً للمرشح؛ بل احترام لعقل الناخب.
الصندوق لا يعفي أحدًا من المسؤولية
ثمة من يتعامل مع الفوز الانتخابي باعتباره شهادة صلاحية مفتوحة.
يفوز، ثم يعتقد أن كل ما يفعله أصبح صحيحًا لأنه حصل على أصوات الناس.
وهذا فهم خطير للديمقراطية.
الفوز يمنح تفويضًا، لكنه لا يمنح حصانة من النقد.
والناخب لا يسلّم النائب «شيكًا على بياض».
بل يمنحه وكالة سياسية محددة، وعليه أن يسأله لاحقًا:
ماذا شرّعت؟
ماذا راقبت؟
ماذا اعترضت؟
ماذا اقترحت؟
ماذا أنجزت؟
وماذا قلت في الحملة الانتخابية ثم فعلت عكسه؟
هنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية، لا يوم التصويت فقط.
الناخب أيضًا أمام الامتحان
من السهل أن نلوم المرشح.
لكن ماذا عن الناخب؟
إذا اختار المواطن مرشحًا لأنه قريبه، أو لأنه صديقه، أو لأنه صاحب نفوذ، أو لأنه أكثر ظهورًا على مواقع التواصل، أو لأنه وعده بوظيفة، فلا يستطيع بعد ذلك أن يكتشف فجأة أن المجلس لم يصبح مؤسسة تشريعية محترفة.
الاختيار السيئ لا يصبح جيدًا لأننا نشتكي منه بعد النتائج.
والصوت الذي يُمنح مجاملة اليوم قد يتحول غدًا إلى أربع سنوات من الشكوى.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين المرشحين فقط؛ إنها أيضًا معركة وعي داخل عقل الناخب.
نريد مرشحًا يمكن مساءلته… لا مرشحًا يصعب العثور عليه
المطلوب ليس مرشحًا معصومًا من الخطأ، فهذا غير موجود.
ولا نريد سياسيًا بلا ماضٍ أو تجربة.
نريد مرشحًا واضحًا في برنامجه، يعرف صلاحياته، ويعترف بحدود قدرته، ولا يخجل من قول «لا أعرف»، ولا يحتاج إلى عشرات الصور لإثبات حضوره، ولا إلى عشرات الألقاب لإثبات كفاءته.
نريد من يدخل المجلس وهو يعرف أن المقعد ليس كرسيًا للزينة، وإنما مسؤولية ثقيلة.
فالمجلس الذي يجمع أصحاب الكفاءة والخبرة والقدرة على التشريع والرقابة يمكن أن يكون مؤسسة فاعلة.
أما المجلس الذي يتحول إلى تجمع للمتحدثين باسم أنفسهم، فقد يصبح لدينا الكثير من الخطب… والقليل من التشريع.
وأخيرًا… دعوا «آلة النفخ» جانبًا
يا أيها المرشحون الكرام، لا نطلب منكم المستحيل.
لا نطلب منكم أن تكونوا ملائكة.
ولا نطلب منكم أن تعرفوا كل شيء.
نطلب فقط شيئًا بسيطًا جدًا:
لا تقولوا للناس ما لا تستطيعون فعله.
لا تجعلوا اللقب برنامجًا.
ولا تجعلوا الصورة إنجازًا.
ولا تجعلوا العلاقة الشخصية مشروعًا وطنيًا.
ولا تجعلوا الوعد الانتخابي فاتورة مؤجلة يدفعها المواطن بعد الفوز.
فالانتخابات ليست موسمًا لتوزيع صكوك الغفران، والمجلس التشريعي ليس مسرحًا لاستعراض الذات.
وفي النهاية، هناك صندوق اقتراع لا يعرف المجاملة، وناخب يستطيع أن يسأل، ويقارن، ويتذكر.
وقد ينجح «النفخ» في صناعة بالون كبير…
لكن أول اختبار حقيقي هو: ماذا يحدث عندما يصطدم البالون بالواقع؟
عندها لا تنفع الألقاب، ولا الصور، ولا الضجيج.
يبقى فقط الإنجاز، والكفاءة، والنزاهة، والقدرة على حمل الأمانة.



