أموال المقاصة بين الابتزاز السياسي وشبكة الأمان الدولية: المالية الفلسطينية في مواجهة اختبار السيادة والاستدامة
المحامي علي أبو حبلة
أموال المقاصة بين الابتزاز السياسي وشبكة الأمان الدولية: المالية الفلسطينية في مواجهة اختبار السيادة والاستدامة
المحامي علي أبو حبلة
تكشف التصريحات الأخيرة لوزير المالية الفلسطيني اسطفان سلامة، التي أكد فيها أن فرص الإفراج عن أموال المقاصة ما تزال ضئيلة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، عن عمق الأزمة التي تواجهها المالية الفلسطينية، وعن طبيعة المعركة الاقتصادية والسياسية التي تخوضها السلطة الفلسطينية في ظل واقع إسرائيلي يسعى إلى تحويل الاقتصاد إلى أداة ضغط سياسي.
فأموال المقاصة ليست مجرد إيرادات مالية تُحوّل من طرف إلى آخر، وإنما تمثل شرياناً أساسياً للموازنة الفلسطينية، وركيزة تقوم عليها قدرة الحكومة على دفع الرواتب، وتمويل الخدمات العامة، والحفاظ على عمل المؤسسات. ولذلك فإن استمرار احتجاز هذه الأموال أو التحكم بها يشكل انتهاكاً لمبدأ الالتزامات الاقتصادية المنصوص عليها في الاتفاقيات الموقعة، وفي مقدمتها بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي نظم آليات تحصيل وتحويل الإيرادات الجمركية والضريبية الفلسطينية.
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في حجم الأموال المحتجزة، بل في استخدام الملف المالي كأداة لإضعاف القدرة المؤسسية الفلسطينية، وإبقاء الاقتصاد الوطني في حالة اعتماد قسري على قرارات الاحتلال. فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تهيمن عليها قوى اليمين المتطرف، تتعامل مع الملف الاقتصادي ضمن رؤية سياسية أوسع تستهدف تقليص مقومات الاستقلال الفلسطيني، وإضعاف المؤسسات الوطنية، وفرض وقائع جديدة على الأرض تتناغم مع مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني.
وفي مواجهة هذا الواقع، تحاول الحكومة الفلسطينية إدارة الأزمة عبر تعزيز التنسيق مع المانحين الدوليين، وتأمين الموارد اللازمة لضمان استمرار الخدمات الأساسية، وهي سياسة تهدف إلى منع الانهيار والحفاظ على الحد الأدنى من قدرة المؤسسات على العمل. غير أن هذه المعالجة، رغم أهميتها، تبقى معالجة مؤقتة لا يمكن أن تكون بديلاً عن إنهاء أصل المشكلة المتمثل في السيطرة الإسرائيلية على الموارد الفلسطينية.
ويبرز القطاع الصحي في مقدمة القطاعات التي تعكس خطورة الوضع المالي. فالحديث عن الاتفاق مع موردي الأدوية لصرف دفعات شهرية مقابل استمرار التوريد يكشف حجم الضغوط التي تواجهها المنظومة الصحية، رغم الجهود المبذولة لضمان عدم تأثر المواطنين بالخدمات الأساسية. كما أن صرف الدفعة الإسبانية لدعم المستشفيات في الضفة الغربية، إلى جانب التعهدات الجديدة من المانحين، يمثل دعماً مهماً، لكنه في الوقت ذاته يعكس انتقال جزء كبير من المسؤولية المالية عن الخدمات الأساسية إلى المجتمع الدولي.
ولا شك أن أولوية القطاع الصحي في اجتماعات المانحين في بروكسل تؤكد إدراك المجتمع الدولي لخطورة استمرار الأزمة، فالصحة ليست ملفاً إنسانياً فقط، بل هي عنصر أساسي في استقرار المجتمع الفلسطيني ومنع تفاقم التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المالية.
أما في قطاع غزة، فإن تجاوز التعهدات الدولية لدعم التعافي المبكر حاجز المليار دولار يمثل مؤشراً على حجم الاحتياجات الهائلة بعد الدمار الواسع الذي أصاب القطاعات الحيوية. لكن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بتوفير التمويل، بل بوجود بيئة سياسية وأمنية تسمح بتحويل هذه التعهدات إلى مشاريع فعلية تخدم السكان، وتعيد بناء الخدمات والبنية التحتية وفق رؤية وطنية واضحة.
غير أن الاعتماد على المساعدات الدولية، رغم ضرورته في هذه المرحلة، يطرح سؤالاً استراتيجياً حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني. فالمساعدات يمكن أن تخفف آثار الأزمة، لكنها لا تستطيع أن تنهيها. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق التنمية والاستقرار في ظل استمرار التحكم الخارجي بالمعابر والموارد والإيرادات الأساسية.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمة المالية إلى بناء استراتيجية مواجهة اقتصادية وسياسية متكاملة، تقوم على تدويل قضية أموال المقاصة باعتبارها حقاً مالياً فلسطينياً، وتعزيز الضغط الدولي والقانوني لإلزام إسرائيل بتحويل الأموال دون ابتزاز أو اقتطاعات، إلى جانب تطوير الاقتصاد المحلي، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل الطارئة.
كما أن الدول العربية والمجتمع الدولي مطالبون بالانتقال من منطق تقديم الدعم الإغاثي إلى بناء شراكة استراتيجية تحمي الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار، لأن استمرار الأزمة المالية لن تكون تداعياته فلسطينية فقط، بل ستنعكس على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
إن معركة أموال المقاصة تختزل اليوم جوهر الصراع على السيادة الاقتصادية الفلسطينية. فالقضية ليست قضية موازنة أو عجز مالي فحسب، بل قضية قدرة شعب تحت الاحتلال على امتلاك قراره الاقتصادي ومؤسساته الوطنية. وبينما تواصل الحكومة الفلسطينية البحث عن مخارج مؤقتة عبر دعم المانحين، يبقى الحل الجذري مرتبطاً بإنهاء سياسة التحكم الإسرائيلي بالموارد الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لمبدأ أن السلام والاستقرار لا يمكن أن يتحققا في ظل اقتصاد مقيد ومجتمع محاصر مالياً وسياسياً.
فالأمن الاقتصادي الفلسطيني ليس شأناً مالياً فقط، بل هو أحد شروط بقاء المشروع الوطني وقدرته على الصمود في مواجهة محاولات فرض واقع جديد على الأرض.



