التعددية السياسية والشراكة الوطنية تحت السقف الفلسطيني:
التعددية السياسية والشراكة الوطنية تحت السقف الفلسطيني:
القانون يحدد السقف… والسيادة ليست بضاعة سياسية للتداول الخارجي
إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة
يتجدد الحديث عن تشكيل حزب سياسي جديد في الساحة الفلسطينية، ويترافق معه ترويج وتسريبات وتشكيك، في محاولة لاختطاف النقاش من مساره الطبيعي إلى مسار الاتهام والتحريض والتخويف.
والحقيقة أن تشكيل الأحزاب في فلسطين ليس “جريمة سياسية” ولا “مؤامرة” ولا “امتيازًا فصائليًا”، بل حق دستوري أصيل مكفول بالقانون الأساسي الفلسطيني، ولا يخضع لفيتو سياسي من هذا الطرف أو ذاك، ولا يولد من رحم الخارج ولا يستمد شرعيته من أي عاصمة سوى العاصمة الفلسطينية للقرار السياسي: القانون والإرادة الوطنية.
لقد نصّ القانون الأساسي الفلسطيني بوضوح لا يقبل التأويل:
المادة (5): “نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي برلماني يعتمد على التعددية السياسية والحزبية…”
المادة (26): “للمواطنين الحق في تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقًا للقانون.”
وبهذا فإن كل من يروّج للتشكيك أو يصنّف مسبقًا أو يحاول ممارسة “وصاية سياسية” على حق تشكيل الأحزاب إنما يتجاوز القانون، ويختطف السيادة الدستورية لحساب أجندة ضيقة لا تمت بصلة لفكرة الدولة ولا لمبدأ الشراكة.
والأخطر أن يتحول النقاش من سؤال: هل الحزب يتوافق مع القانون؟ إلى سؤال: من يموله؟ ومن سمح؟ ولمَن يخدم؟
فالشرعية الحزبية تُكتسب من الشعب ومن القانون، لا من التمويل ولا من السفراء ولا من غرف المفاوضات الخلفية.
السيادة أولًا… والأجندات الخارجية مرفوضة
إن أي حزب أو حركة أو تنظيم يعمل لغير فلسطين أو يضع أجندات مشغّليه فوق المصلحة الوطنية يسقط سياسيًا قبل أن يبدأ، مهما امتلك من الأموال والدعم والخدمات والإعلام.
وفي المقابل، لا يجوز لجهة فلسطينية أن تمارس “احتكارًا سياسيًا” أو “كارتيلًا فصائليًا” لمنع ظهور قوى جديدة بحجة الوطنية أو بحجة “الحساسية السياسية”، لأن هذا المنطق هو نفسه الذي أنتج الانقسام، وعمّق الأزمة، وعطّل الشراكة، وأخّر إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
محاولات الهندسة السياسية الخارجية… تحت المجهر
نحن نعيش مرحلة يحاول فيها أكثر من طرف دولي وإقليمي إعادة ترتيب السلطة الفلسطينية والنظام السياسي بما يتناسب مع متطلبات “اليوم التالي للحرب على غزة”، ومع مشروع إعادة رسم خارطة النفوذ في الإقليم.
وقد شهدنا في دول عربية وغير عربية كيف جرى تصنيع أحزاب وواجهات سياسية ومدنية تحت عناوين “الإصلاح” و“التحديث”، بينما كانت الوظيفة الفعلية لهذه الواجهات هي ترويض النظام الداخلي وإنتاج طبقة سياسية تعمل بحدود المسموح، لا بحدود الممكن الوطني.
لكن التجربة الفلسطينية أثبتت أنها لا تُعاد هندستها بهذه البساطة، ففلسطين ليست مساحة فارغة، ولا جمهورًا قابلًا للتدجين، ولا قضيةً قابلة للتقليص إلى “برنامج خدماتي” أو “مساعدات إنسانية” تحت سقف الاحتلال.
ما بعد غزة: مرحلة إعادة تعريف الشرعية
الحرب على غزة كشفت حجم التحولات الدولية وفتحت الباب لأسئلة أعمق:
* من يمثل الفلسطينيين؟
* من يملك الشرعية؟
* ومن يقرر مستقبل القضية؟
ومهما حاولت القوى الخارجية رسم مسار جديد، فإن القاعدة ثابتة:
لا شرعية خارج الشعب، ولا تمثيل خارج القانون، ولا قرار خارج السقف الوطني.
خلاصة الموقف
التعددية السياسية مكفولة بالقانون، والشراكة الوطنية ضرورة وليست رفاهية، ومنطق الوصاية السياسية انتهى.
وأي حزب يُصنع خارج فلسطين لأجندة غير فلسطينية فهو ساقط، وأي حزب يولد من رحم القانون ومن إرادة الناس فهو مشروع وشرعي ولا يحق لأحد أن يصادره أو يشوّه غايته.
فلسطين تستحق الأفضل… والراية لن تسقط.



