في زمن اللايقين: حين يصبح الفعل أداة للفهم، والحركة وسيلة للإنجاز

محمد قاروط أبو رحمة

يناير 25, 2026 - 14:43
في زمن اللايقين: حين يصبح الفعل أداة للفهم، والحركة وسيلة للإنجاز

في زمن اللايقين: حين يصبح الفعل أداة للفهم، والحركة وسيلة للإنجاز

 

محمد قاروط أبو رحمة

في بيئات تتسم بالاضطراب السياسي والغموض الإقليمي والدولي، لا يعود اللايقين مجرد توصيف لحالة مؤقتة، بل يتحول إلى بيئة حياة كاملة. في السياق الفلسطيني، حيث تتقاطع السيطرة، والحصار، وانسداد الأفق السياسي، يفقد التحليل النظري وحده قدرته على الإحاطة بالواقع. هنا، يبرز الفعل لا بوصفه نتيجة للفهم، بل باعتباره أداة لإنتاج الفهم نفسه، وتغدو الحركة ضرورة وجودية وليست خيارًا تكتيكيًا.

أولًا: الفعل اليومي كأداة للفهم

في فلسطين، تتغير الوقائع على الأرض بوتيرة أسرع من قدرة الخطاب السياسي على تفسيرها. لذلك يصبح الفعل اليومي؛ بكل أشكاله؛ هو المختبر الحقيقي لفهم الواقع.

الفعل كاشف للنوايا: حين يبني الفلسطيني، أو يزرع، أو يتعلم، أو يصمد ميدانيًا، فإنه لا يمارس فعلًا معيشًا فقط، بل يختبر موازين القوة وحدود الردع. ردود فعل الاحتلال، أو صمت المجتمع الدولي، أو تواطؤه، هي التي تكشف الحقيقة العارية للواقع، لا البيانات السياسية ولا الوعود المؤجلة.

إدراك الممكن والمستحيل: من خلال الفعل الصغير المتكرر، تتشكل لدى الفلسطيني خريطة واقعية للممكن. التجربة الميدانية وحدها تحوّل التوقعات إلى حقائق، وتُظهر مكامن القوة ونقاط الهشاشة، بعيدًا عن الأوهام النظرية.

تحطيم سردية الانتظار: الفعل اليومي ينتزع الإنسان من حالة انتظار الحل السياسي؛ بوصفه يقينًا مؤجلًا؛ إلى صناعة الحدث. الفهم هنا لا يُستقى من الشاشات أو التصريحات، بل من الاشتباك المباشر مع الواقع.

ثانيًا: الحركة بوصفها مصنع البدائل

في ظل انسداد الأفق السياسي، تصبح الحركة، بمعنى المبادرة، والابتكار، والتكيف؛ المساحة الوحيدة القادرة على إنتاج بدائل حقيقية.

تجاوز الجمود المؤسسي: حين تتحرك القاعدة الشعبية، أو المبادرات الشبابية، فإنها تملأ الفراغ الذي تتركه الهياكل السياسية العاجزة. الحركة الميدانية تبتكر حلولًا لا تولد في المكاتب المغلقة.

فرض الواقع بدل اقتراحه: في الحالة الفلسطينية، لا تُقدَّم البدائل بوصفها أوراق نقاش، بل تُفرض كأمر واقع. التحرك على الأرض يخلق مسارات جديدة تجبر العالم على إعادة الحسابات، وتجعل من الحركة نفسها بديلًا عن القوى المعطلة.

النجاة من مستنقع الركود: السكون في بيئة ضاغطة لا يعني الحياد، بل الذوبان. الحركة إن بدت بسيطة؛ هي ما يبقي القضية حيّة، ويحول دون تآكل المعنى، وينتج أشكالًا جديدة من الصمود لم تخطر على بال المنظّرين.

ثالثًا: من المعاناة إلى البديل

المعاناة في ذاتها لا تصنع التغيير، لكنها حين تُقابَل بالفعل تتحول إلى طاقة منتجة.

من شعلة المعاناة إلى نور الإتقان: الفعل اليومي هو الشعلة التي تحرق اليأس، والحركة المستمرة تحوّل هذه الشعلة إلى نماذج صمود متقنة؛ اقتصادية، وتعليمية، واجتماعية؛ قابلة للاستمرار والتكرار.

استعادة التركيز الوطني: وسط الضجيج العالمي وتعدد السرديات، يعيد الفعل اليومي بوصلة الفلسطيني إلى الحاضر. الأثر الميداني يصبح معيار القيمة، ويمنع تشتت الهوية الوطنية في الخطابات المجردة.

هزيمة اللايقين بالتوثيق: إن كتابة الفعل، وتدوينه، وتحليله، تحوّله من تجربة عابرة إلى منهج ملهم. التوثيق يسلب اللايقين قدرته على إحباط الروح المعنوية، ويمنح التجربة الفلسطينية بعدًا معرفيًا متراكمًا.

السيادة الذهنية تحت الحصار: في ذروة القيد المادي، يصبح الفعل اليومي تعبيرًا عن السيادة الذهنية. قدرة الفلسطيني على الحركة وإنتاج البدائل دليل على أنه لم يُهزم وعيًا، حتى وإن حُوصِر جسدًا.

خلاصة

في فلسطين، الفعل هو الذي يكتب النظرية، لا العكس. الفلسطيني لا ينتظر اليقين ليبدأ، بل يتحرك ليصنع يقينه الخاص. كل حركة يومية هي مسمار في نعش السكون، وكل فعل صادق هو لبنة في بناء بدائل وطنية تنبع من الأرض ومن عمق التجربة الحيّة.

وهذه القاعدة لا تخص السياسة وحدها؛ إنها قانون إنساني عام:

في زمن اللايقين، لا نَفهم كي نتحرك، بل نتحرك كي نفهم.