ثقافةُ المكابرة وتضخيمُ الأنا… حين يتجاوزُ الغرورُ حدودَ العقلِ والأخلاق
بقلم المحامي علي أبو حبلة
ثقافةُ المكابرة وتضخيمُ الأنا… حين يتجاوزُ الغرورُ حدودَ العقلِ والأخلاق
بقلم المحامي علي أبو حبلة
لم تعد ثقافةُ المكابرة في القول والفعل وتضخيم الأنا أمرًا عابرًا أو سلوكًا فرديًا محدود الأثر، بل باتت حالةً اجتماعيةً وسياسيةً وثقافيةً تمتد بين الأسرة والمدرسة والمهنة والمؤسسة والدولة. وهي ثقافة تتغذى على الغرور وتستمد طاقتها من تعطيل القدرة على الاعتراف بالخطأ، وتكريس أن الحقَّ ما ينطق به صاحب الصوت الأعلى لا صاحب الحجة الأقوى. وقد حذّر القرآن الكريم من هذه الآفة حين خاطب المؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؛ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».
والمكابرة في أصلها من الكِبْر، ومن الفعل “كابر” الذي يدل على مغالبة بين طرفين، حيث يكون المكابر ظالمًا والمكبَر عليه مظلومًا. وقد قال العرب قديمًا: «إذا عاتبتَ أخاك فاترك له موضعًا للاعتذار لئلّا يحملَه المِراءُ على المكابرة»، إدراكًا لما تحدثه المكابرة من خرابٍ في العلاقات والأخلاق.
وتتسلل هذه الثقافة في المجتمع منذ التنشئة الأولى في الأسرة حين يُربَّى الطفل على إخفاء الحقيقة لا على الاعتراف بها، وعلى تزييف الذات بدل تقويمها، ثم في المدرسة عبر علاقة الطالب بزميله والمعلم، وفي العمل عبر الخوف من الاعتذار، فيتضاعف الخطأ وتصبح الخطيئة مقصودة، ويتحول العامل أو الموظف إلى مكابر لا يرى في الاعتراف ضعفًا بل يرى في الخطأ قوة.
وفي المجال السياسي والإداري تكتسب المكابرة أبعادًا أكثر خطورة، إذ يتحول المسؤول إلى “أنا متضخمة” خارج أطر المحاسبة والمساءلة، فيرى أنه لا يخطئ ولو اجتمع الناس على تخطئته. وقد سجلت مؤسساتنا نماذج عديدة من المسؤولين الذين جمعت شهادات الناس على فشل إداراتهم وتكرار أخطائهم، لكن هوس المكابرة ومنطق “عدم الاعتذار” حال دون الاعتراف والتصويب.
وبينما ظنَّ بعض النخب أن المكابرة سلطة لا تُقهر ومكانة لا تهتز، كانت منصات التواصل تكشف الأوهام وتفضح الادعاءات وتخضع الخطاب لرقابة مجتمعية غير مسبوقة. إنها رقابة لم تكن متاحة في زمن كان القول فيه يسبق الفعل، والادعاء يسبق الحقيقة.
وفي المشهد الدولي المعاصر ظهرت الشعبوية المكابِرة بوصفها نموذجًا صارخًا؛ فقد جسّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظاهرة تضخيم الأنا وتعظيم الذات بلغة شعبوية تنم عن ضحالة سياسية وثقافية، وتستند إلى إثارة الغرائز بدل مخاطبة العقول. ورأى الرجل أن الاعتراف بالخطأ هزيمة، وأن الصوت العالي يغني عن البرهان، وأن الهجوم يغني عن التحليل، وأن تزييف الحقائق يغني عن فهمها. وهذه الشعبوية ليست مجرد مزاج سياسي عابر، بل بنية كاملة تنتعش في المجتمعات التي أُنهكت معرفيًا وثقافيًا. وقد تنبّهت الفيلسوفة حنّة آرندت إلى هذا الخطر حين تحدثت عن «تفاهة الشر»، الذي لا يحتاج إلى العمق بل إلى جمهور يصفق للوهم ويعاقب الحقيقة.
ولم تعد هذه الظاهرة حكرًا على قادة الدول، بل تسربت إلى بعض الإعلاميين و”المثقفين المزيفين” ومنابر تحولت إلى أبواق تحاول فرض أصحابها بالقوة والصوت والتسلق لا بالمعرفة والوعي. فأفلست سياسيًا وثقافيًا وفكريًا حين فقدت القدرة على إنتاج المحتوى واستبدلته بالتراشق والهتاف، لأن اختبار العقل يسقطها واختبار الثقافة يفضح ضحالتها.
وليس الأمر جديدًا على التاريخ؛ فقد كتب ابن خلدون عن “البطر” و“الترف” في مرحلة انحطاط السلطة، وحذّر الجاحظ من الغرور المزهو بالذات، فيما رأى ميكافيلي أن السلطة التي لا تعترف بالفشل تفتح الطريق للهزيمة، وأشار نيتشه إلى أن إرادة القوة حين تفقد أخلاق المساءلة تتحول إلى غطرسة تدمر صاحبها. وأثبتت التجارب التاريخية — من أثينا في حرب البيلوبونيز إلى فرنسا ما قبل الثورة — أن الأمم لا تموت بالهزيمة بل بالغرور الذي يمنعها من تصحيح الهزيمة.
وحقيقة القول إن مواجهة ثقافة المكابرة لا تتحقق بالوعظ وحده، ولا بالتربية وحدها، ولا بالمساءلة وحدها، بل بمنظومة كاملة تحمي الحقيقة وتكافئ الاعتراف بالخطأ ولا ترى في الاعتذار انكسارًا. فالأمم التي لا تراجع الذات تتحول شعوبها إلى ضحايا غرور قادتها ونخبها وأبواقها، ويصدق فيهم قول الكميت بن زيد الأسدي:
«ونمنعُ بالأسنّةِ ما سَخِطْنَا مُكَابرةً ونأخُذُ ما هَوِينَا».



