«التعافي المؤسسي في فلسطين: بين إدارة الأزمات واستعادة الوظيفة العامة»
بقلم المحامي علي أبو حبلة
«التعافي المؤسسي في فلسطين: بين إدارة الأزمات واستعادة الوظيفة العامة»
بقلم المحامي علي أبو حبلة
تمر الجغرافيا الفلسطينية بتحديات مركبة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخدماتية مع ضغوطات الإدارة المحلية وضعف الموارد وتغيّر البيئة الاقتصادية وثقل الأعباء الواقعة على المواطن والمؤسسة على حد سواء. وفي ظل هذا الواقع، تصبح مسألة استعادة الحيوية والوظيفة العامة للمؤسسات — سواء كانت حكومية أو أهلية أو بلدية أو خدمية — مسألة وطنية لا تنفصل عن شروط الصمود والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
لا يمكن اختزال التحديات التي تواجه المؤسسات الفلسطينية في ضعف الموارد المالية فحسب، رغم مركزيته، بل في القدرة الإدارية والتنظيمية على إدارة الأزمات والتخطيط وتوجيه الموارد وتنظيم الخدمات وفق أولويات واضحة. فالأزمات تُدار اليوم بمنهجيات علمية تعتمد قراءة الواقع واستشراف السيناريوهات وتنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين، وهو ما يتطلب تطوير أدوات governance resilience بما يضمن الحد من الصدمات وإعادة توزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة وشفافية.
إنّ التعافي المؤسسي في السياق الفلسطيني يحتاج إلى رؤية تتكامل فيها ثلاث عناصر رئيسية:
(1) الشفافية في إدارة الموارد والتخطيط المالي
(2) المساءلة المؤسسية القائمة على المعايير لا الأشخاص
(3) التشاركية التي تربط المؤسسات الرسمية بالمجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص والجامعات
هذه العناصر لا تهدف إلى الانتقاص من أحد، بل إلى رفع مستوى المخرجات المؤسسية وترسيخ أداء يستجيب للحق العام ويحافظ على السلم الاجتماعي. فالمواطن دافع الرسوم والضرائب يمتلك حقًا قانونيًا وأخلاقيًا في الحصول على خدمات عامة ذات جودة ومعيارية، بينما تمتلك المؤسسة حقها في التنظيم وضبط الخدمة وفق المصلحة العامة.
تتكامل هنا البعد الاقتصادي مع البعد الإداري. فالمؤسسات القادرة على إدارة مواردها بفعالية، وتنظيم خدمات مثل المياه والكهرباء والنفايات والطرق والصحة والتعليم، تُسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي وتحسين بيئة الأعمال، وتدعم بدورها فرص التنمية والمبادرات الفردية والجماعية. وهذا يتوافق مع التجربة المقارنة التي تُظهر أن المؤسسات التي تستثمر في التخطيط والبيانات والشراكات تصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات وأكثر قابلية للتعافي.
كما أن الجامعات ومراكز الأبحاث تشكل مكوّنًا داعمًا لهذه العملية، عبر توفير المعرفة العلمية والدراسات والاستطلاعات والمشورة الفنية، والتخفيف من الاعتماد على الاجتهاد الفردي أو القرارات الانفعالية. فالتنمية المؤسسية الحديثة تقوم على البيانات والمعلومات، لا على الانطباعات، وعلى العقل المؤسسي لا الفردي.
وفي السياق الفلسطيني، تصبح المسؤولية الجمعية عاملًا حاسمًا في دعم الوظيفة العامة للمؤسسات. فالتكامل بين الجهات الحكومية والبلديات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والاتحادات المهنية والنقابات يشكل إطارًا وطنيًا للتخطيط والتنفيذ والمتابعة، ويحد من التنافس السلبي بين الفاعلين على حساب المنافع العامة.
إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه في اللحظة الراهنة هو: كيف يمكن للمؤسسات الفلسطينية أن تستعيد دورها ووظيفتها العامة في ظل التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية؟
تبدو الإجابة ممكنة إذا توفرت جملة من الشروط الواقعية، أبرزها:
تطوير نظم إدارة الأزمات والتدريب الإداري
إعادة تنظيم الخدمات وفق أولويات معيارية
تعزيز التخطيط المالي والاقتصادي
تفعيل الشراكات المجتمعية والقطاعية
بناء الثقة بين المؤسسة والمواطن عبر نتائج قابلة للقياس
فالخدمات العامة ليست امتيازًا يُمنح، بل وظيفة قانونية وأداة استقرار اجتماعي وعقد ضمني بين المواطن والمؤسسة. وعندما يعمل هذا العقد بشكل متوازن، تصبح عملية التعافي أكثر قابلية للتحقق، وتتحول الأزمات إلى فرص إنتاجية، ويستعيد المجتمع قدرته على الصمود والتكيف.
وفي المحصلة، فإن مشروع التعافي المؤسسي في فلسطين هو مشروع وطني لا يقل أهمية عن المسار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، بل يتقاطع معها جميعًا. وهو مشروع قابل للتطبيق إذا ما توفرت الإرادة والبيئة القانونية والمعرفية، بما ينسجم مع الخبرة الفلسطينية في إدارة الأزمات وتعزيز القدرة المجتمعية على مواجهة الظروف المعقدة.
المحامي علي أبو حبلة



