اتفاق النوايا الفلسطيني–الأوروبي: الدعم المشروط بين إصلاح الإدارة والتأثير على القرار السيادي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يناير 10, 2026 - 09:04
اتفاق النوايا الفلسطيني–الأوروبي: الدعم المشروط بين إصلاح الإدارة والتأثير على القرار السيادي

اتفاق النوايا الفلسطيني–الأوروبي: الدعم المشروط بين إصلاح الإدارة والتأثير على القرار السيادي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يُطرح اتفاق النوايا بين السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي للسنوات (2024 – 2027) بوصفه برنامجًا ماليًا إصلاحيًا يستهدف إعادة هيكلة الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الأعمال، في إطار رؤية أوروبية أوسع لتثبيت السلطة ومنع انهيار مؤسساتها في ظل وضع اقتصادي دقيق ومعقد. غير أنّ القراءة السياسية والقانونية الأعمق تكشف أن الاتفاق يشكل أيضًا محطة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمانحين، وبين الاقتصاد الفلسطيني والاحتلال، على نحو يمس القرار السيادي الفلسطيني ويعيد إنتاج التبعية المالية بصيغ جديدة.
دعم مشروط وإعادة تعريف دور السلطة
الاتفاق الأوروبي تجاوز صيغة “التمويل للدعم” إلى صيغة “التمويل مقابل الإصلاح”، وهو ما يربط المساعدات بتحقيق معايير محددة تشمل مكافحة الفساد وتطوير الإدارة المالية وتعزيز سيادة القانون. هذا التحول يُنذر بإعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية بوصفها جهازًا إداريًا–ماليًا خاضعًا للتقييم الخارجي، أكثر منها سلطة ذات وظيفة سياسية مستقلة تحتكم إلى إرادة الناخب والرأي العام.
هذا التحول قد يؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية الداخلية لصالح الشرعية المشروطة للمانحين، في ظل هشاشة البنية السياسية الفلسطينية وغياب آليات الرقابة والمحاسبة الوطنية الفاعلة.
البعد القانوني: سيادة مالية محدودة تحت الاحتلال
من الزاوية القانونية، يُطرح اتفاق الإصلاح الأوروبي في سياق غير اعتيادي، فالسلطة الفلسطينية لا تمتلك سيادة اقتصادية كاملة، ولا تتحكم بمواردها أو حدودها أو تجارتها الخارجية، وتخضع علاقاتها المالية لبروتوكول باريس الاقتصادي والمقاصة التي تديرها إسرائيل. هذا الواقع يخلق سيادة مالية ناقصة ويحد من قدرة السلطة على تطبيق برامج إصلاح حقيقية، ويجعل السياسات المالية رهينة للقيود الإسرائيلية والمساعدات المشروطة معًا.
المقاصة: العقدة القائمة والمهددة بالديمومة
تبقى المقاصة الفلسطينية أحد أخطر الملفات المرتبطة بالسيادة المالية. فهذه الإيرادات التي تمثل أكثر من ثلثي الدخل المالي للسلطة تخضع لإجراءات أحادية إسرائيلية تشمل الاقتطاع والحجز والاشتراط، ما يجعل قدرة السلطة على التخطيط المالي مرتبطة بتصرفات ليست خاضعة لها. وفي ظل انكماش الاقتصاد وتراجع الإيرادات المحلية واعتماد العمالة على السوق الإسرائيلية، فإن الدعم الأوروبي لا يعالج جذور الأزمة، بل يعيد إنتاجها عبر تمويل الفجوة المالية لا تفكيك أسبابها.
الاقتصاد المتعثر وإدارة الأزمة بدل معالجتها
يأتي الاتفاق في لحظة اختناق اقتصادي تتسم بـ:
تراجع النمو
ضعف الاستثمار
توسع الاقتصاد غير الرسمي
هشاشة القطاع الخاص
اعتماد العمالة على إسرائيل
تآكل القدرة الشرائية
غياب المشاريع الإنتاجية
في مشهد كهذا، يتحول الدعم الأوروبي إلى أداة لمنع الانهيار لا لإعادة البناء. فالإصلاح المطلوب لا يمكن تحقيقه دون معالجة القيود المفروضة على الأرض والموارد والمعابر والتجارة والطاقة والحركة، وهي ملفات تخضع بالكامل لسلطة الاحتلال.
تداعيات سياسية على مستقبل السلطة والقضية
يقود هذا الواقع إلى ثلاثة مسارات محتملة:
استمرار الوضع القائم عبر سلطة تقدم خدمات وتدير الرواتب وتمنع الفراغ.
إصلاح وظيفي دون تحول سياسي يرسخ النموذج الإداري–المالي على حساب البعد الوطني.
إعادة تعريف السلطة في المستقبل إذا تراجعت المقاصة أو تقلّص التمويل، على نحو يقارب نموذج الحكم المحلي الموسع.
هذه السيناريوهات جميعها تضع مستقبل السلطة في دائرة التساؤل، خصوصًا مع خطر تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر سياسي إلى قضية إدارة مالية وإدارية تحت الاحتلال.
خلاصة
الاتفاق الفلسطيني–الأوروبي لا يشكل رافعة حقيقية لبناء اقتصاد وطني مستقل، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الأزمة الاقتصادية وتثبيت المؤسسات، مقابل تعميق التبعية المالية والضغط على القرار السيادي الفلسطيني، مع بقاء الاحتلال متحكمًا ببنية الاقتصاد وموارده ومنافذه.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل يمكن لاقتصاد تحت الاحتلال أن يُصلح ذاته دون مشاريع تحرر اقتصادي وسياسي؟
حتى اللحظة، الجواب المحايد يقول: الإصلاح تحت الاحتلال لا يقود إلى الاستقلال، بل إلى استدامة الأزمة.