حركة فتح، في انطلاقتها
الحلقة السابعة
حركة فتح، في انطلاقتها
الحلقة السابعة
***
لقد هجس الكثيرُ بفكرة "الإصلاح". حسناً! لكنّ فتح، تاريخيا، ليس لديها ثقافة "المراجعة" و "النقد" و"التجاوز"..فهي إطار فضفاض، سياسيّ وطنيّ، وتحمل جينات "العَشيرة" الممتدة، بسجاياها وملامحها وخطابها وعصْبتها. من هنا؛ ينبغي البحث عن طرائق إصلاحية، من خارج الصندوق، وبآليات غير معهودة. لأننا في فتح، مثلنا مثل الحالة الوطنية كلّها، نعمل ونتحرّك تحت الشرط الاحتلاليّ الصارم، وتحت مِجْهَرِه المُحبِط، المُعادي لأيّ إصلاحٍ أو تنمية، وعلى كلّ المستويات. وعليه؛ كيف سنجيب عن سؤال "انتفاء إمكانية الإصلاح تحت الاحتلال"؟. وقد يزعم قائل "بأن الاحتلال ليس قَدَرا" وبإمكاننا إجراء النهضة المطلوبة..وهذا رأي ذو وجاهة، لكنه مُحاط بألغام وظلال ثقيلة..
طيّب! لماذا لم تجرِ المراجعات والاصلاحات، إذن؟ هل لأن فتح "مُختَطَفة" من مجموعة بعينها؟ فإنْ كان هذا صحيحا، فإنه يدلّل على أن فتح، بكلّ حمولتها وكوادرها، حركة هشّة ويمكن التلاعب بها، ولا تستطيع إرجاع حقّها لقاعدتها!
أم أنّ غياب الرؤية، هو سبب تراجع فتح وتقلّصها وبروز النتوءات فيها؟ فإنْ كان كذلك، فإن الكثيرين قد دبّجوا كُتبا ودراسات ومراجعات، وعقدوا اجتماعات، ورطنوا بالحَلال والحَرام..لكنّ أحدا لم يأبه، ولم يسمع..كأننا ننادي في أودية بعيدة! وهنا أُسجّل لفتح ديمقراطيتها وسَعة صدرها لكلّ ما يقال..وهذا دليل عافية وميزة رائعة ومسؤولة. والحرية حقّ، وليست مِنّة. ولكنّ هذا اللغط سيخلق حالات ناقمة مُتغايرة، تشحن اليأسَ والإحباط، وتزيد من الشائعات والانفلات..فإلى متى سنظلّ نجهش بالكلام، ولا من مجيب؟ مع أننا أعلنّا بوضوح بأن إصلاح فتح، والمنظمة طبعا، يجب أن يكون من داخل فتح، وفي الوطن، بعيدا عن ظلال الجغراقيّات البعيدة والقريبة. وسمعنا ردّة الفعل التي اتّهمت مَن نادوا بالإصلاح، من خارج الوطن، بأنهم يسعون لخلق البدائل المرفوضة، وإحداث تشويش مُوجّه، يأتي على المُنجزات التاريخية، ويجعل الورقة الفلسطينية مرهونة في إيدي أصحاب المال والنفوذ..مع أنّ نصف شعبنا في اللجوء، والاحتلال يحيط بالظاهرة الفلسطينية، ويحاول تركيب "الليغو" الفلسطيني كما يريد. ما يوجب الشروع بحوار مسؤول مع الجميع، وسماع مرافعتهم، وتبيان المخاوف، حتى نحافظ على وحدة الحركة المتشظّية، ولكي لا نترك الجيوب "الحردانة"، تخرج وتؤسّس لتيّار جديد، يعمّق التفتيت والانفلاش.
طيّب؛ إذا كنتم، يا لجنتنا المركزية ويا مجلسنا الثوريّ! ترفضون الإصلاح من الخارج، وهذا منطقيّ، وترفضون الإصلاح من الداخل، ولدينا المقترحات، ولا تحرّكون ساكناً..فما العمل؟ هل تريدوننا أن "نحكي" و"ننفّس" عن حالنا..ويا دار ما دخلك شرّ. وتراهنون على منطق القبيلة، وعلى لغتها الثنائية والنهائية، وعلى الاصطفاف المُنَقّى والمُعدّ سلفاً، وعلى عصا الترهيب وجَزَرة الترغيب؟
إذا كان الأمر كذلك، فثمّة كارثة فتحاوية، على كافة الصعد، تُنذر بنهايات مفجعة ودراميّة، ستجرفنا بدوّامتها..أو أنّ "الآخرين" سيعيدون هندسة فتح على قدْر مصالحهم، وبمفردات لامعة، يتمّ إعدادها وتنميقها، لتكون نافذة وحاسمة. وخصوصا أنّ فتح ليس لديها شخصية فكرية أو هوية سياسية ثابتة، إذ تتشكّل ملامحها تبعا لكلّ مرحلة، ليس بسبب غياب الأيديولوجيا، بل لأنها حركة الشعب العامّة والرّحبة، التي لا يقيّدها قيد، ولا يحدّها إطار. فهي براغماتية إلى حدّ صادم. وهي ثورية جامحة إلى درجة مدهشة. وعلى رغم ما تقوله حول الثوابت، لكنّ حركة فتح لا ثابت عندها، إلا أُفقيّاً، والدليل أنها عند انطلاقتها، كان ثابتها تحرير كلّ الوطن. وبعد سنوات، رأينا ثابتا جديدا هو "دولة في حدود حزيران67"، ثمّ تناسل ثابتٌ آخر يزعم قبوله بدولة قابلة للحياة، يعني؛ على حدود ال67 مع تعديلات مقبولة! كما إن حركة فتح، اليوم، أشبه بالغُبار العظيم، لكنها ليست سبيكة صلبة متماسكة ومشدودة الأطراف..وهذا سلاحٌ ذو حدّيْن! لماذا؟ لأن هذا يمدّها بمرونة، وقدرة على التموضع والاصطفاف السريع، وقت الحاجة، في الحيّز المُتاح، بمبررات مصطنعة ومدفوعة. كما أنه يُفْقدها الثِقَل المطلوب، لأيّ تنظيم، حتى يكون وازِناً، على المستوى الفكري والوظيفي والوطني والسياسي.
إنّ فتح اليوم؛ ليست فتح قبل ستين سنة، ما يوجب ضرورة إعادة تعريف ذاتها، من جديد، لتجيب على أسئلة حارقة، لا جواب عليها حتى اللحظة، وهي؛ سؤال التحرير، باعتبارها حركة تحرّر. وسؤال تعالُقها مع السلطة، وأين موقعها المتمايز معها. وسؤال البُنية والهيكل، الذي لم يتبقَ منه سوى الشكل البرّانيّ، دون مضمون وخطاب وفكر وموقف. عداك عمّا يتقدّم نحونا من استيطان ومستوطنين مُنفلتين، وما يتوالد من فظاعات احتلالية تستهدف الإبادة، بشقّيها؛ الماحق في غزة، وإبادة الإرادة ونهب الأرض في الضفة..مع ما تفجّره الأزمة الاقتصادية، ومع ما يجرّه انغلاق الأفق الوطني والسياسي والماليّ، من ردّات فعل غاضبة مُتوَقّعة!
ونرى بوضوح؛ أنّ لُحمة فتح تبنّت قرارا جعلها تنأي بالنّفْس، عمّا يجري، بدعوى تراها حكيمة، إذ ليس لنا قِبَل بالمواجهة، وحفاظا على بقائنا وما لدينا. وهو قرار بعيد عن الهياج العاطفيّ والشعبويّة وألاعيب الساسة، لكنه أحالنا إلى ضحايا سلبيين، نُضرَب ونُنتَهَك ونُحْرَق ونُجَوَّع..ونصمت، حتى لا يُبهظنا الاحتلالُ، أكثر، أو يجد ذريعة للانقضاض علينا، ويخسف بنا الأرض.
ماشي يا سيدي! فلماذا يغيب الخطاب السياسي، الذي يوضح للناس الحقيقة والقرار..حتى لا تسود الشائعات السوداء، أو التردّد الرجراج الخطير؟
وقيادتنا، مع هذا، تُجري إصلاحات مطلوبة! فلماذا لا تُبادر وتُجري إصلاحات من عندها؟ أم أنّ الإصلاح ينبغي أن يكون إكراهيّا ومفروضا، من الخارج، وعلى مقاساته؟
إنّ الخروج الآمن مما نحن فيه؛ لا يمكن أن يكون إلا بقرار عمليٍ، تسارع القيادة لاتّخاذه، يقوم على درء المفاسد، ومواصلة المحاسبة، والقضاء على هوامش السواد، وفتح حوار جدّيّ، بسقف زمنيّ وبأجندة محددة، وعلى أرض قانون المحبّة الحركيّ..حتى نسوّغ دعوتنا بأنّ الإصلاح، ممكن..من الداخل وفي الداخل، وبإشراك مَن بالخارج بآليات التواصل الحديثة. وعليه؛ أدعو إلى تشكيل لجنة من مائة شخصية فتحاوية، ومن كلّ التخصصات والمواقع والجهات، بعيدة عن المصلحة والهوى، ومن خارج أصحاب المُدْخلات، ولا موقع لهم تنفيذيّ أو مصلحيّ..ولا يخرجون من اجتماعاتهم إلا بالدخان الأبيض.
إن المسؤول عن إنفاذ رغبات أبناء الحركة؛ هي اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لا غير! لأنهم يمثّلون القيادة التي يجب أن لا تكتفي بالشكوى، وإسقاط عجزها على غيرها، والتلّهي بالفُرجة اليائسة. وأعجب أنهم يحيون أيامهم برتابة، وكأنهم لا يرون ما نرى، ولا يعانون مما نعاني!
القيادة تعني المواجهة، وعدم الخوف والبكاء، وعدم الاقتصار على نيْل المكتسبات..وإدارة الظَهر للجموع، والاكتفاء ببعض الترتيبات الشكليّة المجزوءة، والعمل قطعة قطعة، والمناكفات، وتصدير الاتّهامات، وإرضاء مجموعة متماهية، على حساب الكلّ.
وتذهب فتح، أو أيّ جماعة مأزومة، إلى آليات التعويض، بمعناها النّفسي والاجتماعي؛ فتصوّر لنا الفوز البسيط في انتخابات..هنا أو هناك، بأنه تحوّل عميق، ودليل على صحّة الأداء. لا يا أخوتي! إنه ارتكاس، وتضخيم في غير محلّه، وإطلاق لسطوعٍ خافت من قاع البئر.
لم تعد اللغة التبريرية مُستساغة. والاحتماء بصعاليك القبيلة لا يعوَّل عليه. والتوهّم بأن الكوادر ستظلّ مخروسة حالة غير سرمديّة. ويبدو أن البعض يشبه الغبار، فإن غاب..سنكتشف الجَمال، من جديد.
وأتمنّى من أعضاء المركزية والثوري أن يتوقّفوا عن تفسّخهم، وإيقاعهم الخارج عن النصّ، إلى أن يُثبتوا أنهم على خطّ المؤسّسين، ويعادلون الرموز التاريخية، الذين كانوا - عن جَد - قيادات..وليسوا غصونا طريّة، متطفّلة على الشجرة، وتميل حيث تريد الريح.
وعلى الصعيد الآخر؛ إذا كان الاحتلال يستهدف الضفة، فهو لا يحتاج لذرائع، سحبناها أو أبقيناها. بلغة أخرى؛ ألا توجد صيغ "حضارية" ممكنة للمواجهة؟ أوَلَم تتوفّر إمكانية لاشتباك سياسيٍّ معمّق وشمولي، ولا أقول عسكريا! حتى يفهم العالَم أننا نقبل بكلّ إجراءات الاحتلال التدميرية، وندير له الخدّ الأيمن بعد الأيسر! أليس في أيدينا أيّ أوراق نضعها على طاولة المساومات الإقليمية؟ معقول أننا بهذا العجز والضعف! ألا نتمتّع ب"قوّة" الضحيّة، وإن كانت سلبية؟
وأكرر القول: إذا بقينا متكلّسين، فسيتحرّك غيرُنا، وسيفرض أجندته علينا..ما يوجب؛ ألّا يبقى المعنيّون ينتظرون "المعجزة" التي لن تأتي. وعليهم ألا يكتفوا بمراقبة حالات الانفراط والترهّل، ومشاهد الفظاعات والتعدّيات الفاشيّة، التي ستدفع الأمور إلى معيار الانفجار العشوائي الساخط. عليهم أن يخطو، وهذا دورهم، إنْ كانوا يعلمون! أليسوا قادة ويدّعون الديمقراطية؟ أليسوا ربّ العائلة، الذي لا يجوز له الصمت على استباحة "العائلة"؟ أليسوا ممثلنا الشرعي والوحيد؟
وعزائي؛ أن مواجهة الاحتلال وحدها هي ما سيوَّحِّد فتح، ويجعلها على خطّ مضيء واحد مستقيم. بمعنى؛ أن الاحتلال الذي سيواصل فظاعاته، سيدفع شعبَنا لأن يردّ بمستوى التعدّي، وعندها ستفاجئكم فتح بقدرتها على النهوض، وعلى حيويّتها ورشاقتها، وكأنها تنبعث من طينها، وستحلّق في فضاءات عالية، وستجترح المعجزة من جديد، وتثبت أن جَمْرها الرّيّان يتوهّج تحت صمت الرماد. وهذا لا يعني أن ننتظر! بقدر ما ينبغي إعمال آليات الشحذ والبعث والنهوض.





