من أرتحششتا إلى وعد بلفور وصولًا إلى اليمين الصهيوني المعاصر
الدين والتاريخ والأيديولوجيا: كيف تحوّلت الرواية التاريخية إلى مشروع سياسي؟
من أرتحششتا إلى وعد بلفور وصولًا إلى اليمين الصهيوني المعاصر
الدين والتاريخ والأيديولوجيا: كيف تحوّلت الرواية التاريخية إلى مشروع سياسي؟
قراءة استراتيجية في تطور الفكر الصهيوني ومقاربات المؤرخين الإسرائيليين
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
الجزء الأول
مقدمة: بين الذاكرة الدينية والمشروع السياسي
تُعد القضية الفلسطينية من أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ السياسي الحديث، لأنها لم تنشأ فقط من صراع على الأرض والحدود والسيادة، بل ارتبطت أيضًا بصراع عميق حول الرواية التاريخية والهوية والشرعية. ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين ثلاثة مستويات غالبًا ما يجري الخلط بينها في الخطاب السياسي: اليهودية كدين سماوي، واليهود كشعب أو جماعات بشرية متعددة المشارب، والصهيونية كحركة سياسية حديثة نشأت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.
إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة أدى إلى إنتاج قراءات متناقضة للصراع؛ فهناك من حاول تقديم المشروع الصهيوني باعتباره امتدادًا طبيعيًا لتاريخ ديني قديم، بينما يرى تيار واسع من المؤرخين والباحثين أن الصهيونية كانت مشروعًا قوميًا سياسيًا حديثًا استفاد من الرموز الدينية والتاريخية لتأسيس شرعية سياسية في فلسطين.
ومن هنا فإن دراسة المسار الممتد من عهد الملك الفارسي أرتحششتا إلى وعد بلفور عام 1917، ثم إلى صعود اليمين الصهيوني الديني في إسرائيل المعاصرة، تكشف كيف انتقلت بعض الرموز التاريخية من المجال الديني والذاكرة الجماعية إلى المجال السياسي والاستراتيجي.
أولًا: أرتحششتا والتاريخ القديم بين الواقعة التاريخية والتوظيف السياسي
تشير المصادر التاريخية إلى أن الإمبراطورية الفارسية الأخمينية سمحت لجماعات يهودية بالعودة إلى القدس بعد سقوط الدولة البابلية، في إطار سياسة الإمبراطورية القائمة على إدارة الشعوب المختلفة ومنحها قدرًا من الاستقلال الديني والإداري.
وكان عهد أرتحششتا الأول جزءًا من هذه المرحلة التاريخية التي شهدت عودة جماعات وإعادة تنظيم الحياة الدينية في القدس.
غير أن الإشكالية التاريخية تبدأ عندما تُنقل هذه الوقائع من سياقها القديم إلى المجال السياسي الحديث باعتبارها سندًا لحق حصري في الأرض بعد آلاف السنين. فالتاريخ، رغم أهميته في تشكيل الهوية والذاكرة، لا يعمل وحده كأساس للحقوق السياسية في النظام الدولي الحديث.
فالدول الحديثة لا تقوم على استعادة الإمبراطوريات القديمة أو الممالك التاريخية، وإلا لتحولت معظم مناطق العالم إلى صراعات مفتوحة حول خرائط تعود إلى آلاف السنين. ولذلك فإن القانون الدولي المعاصر يستند إلى مبادئ السيادة، وحقوق الشعوب، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ثانيًا: من الدين اليهودي إلى الصهيونية السياسية
لم تكن اليهودية عبر تاريخها الطويل حركة سياسية لإنشاء دولة، بل كانت منظومة دينية وثقافية حافظت على الهوية اليهودية في مختلف مناطق الشتات.
أما الصهيونية السياسية فقد ظهرت في سياق أوروبي حديث ارتبط بصعود القوميات في القرن التاسع عشر. فقد رأى مؤسسوها أن اليهود، شأنهم شأن القوميات الأوروبية، بحاجة إلى كيان قومي خاص.
ويُعد تيودور هرتزل أبرز رموز هذا التحول، إذ انتقل بفكرة "العودة" من المجال الديني إلى برنامج سياسي منظم، توّج بعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897.
لكن نشوء الصهيونية لم يكن بمعزل عن البيئة الاستعمارية الأوروبية. فقد تزامن مع مرحلة كانت القوى الأوروبية تبحث فيها عن مناطق نفوذ جديدة، وكان الشرق الأوسط يمثل منطقة استراتيجية بسبب موقعه الجغرافي وطرق التجارة والممرات الحيوية.
ثالثًا: وعد بلفور وبداية التحالف بين المشروع الصهيوني والقوة الإمبراطورية
شكّل وعد بلفور عام 1917 نقطة تحول تاريخية، إذ أعلنت بريطانيا دعمها لإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين.
تكمن الإشكالية القانونية والسياسية في أن بريطانيا أصدرت هذا الوعد وهي قوة استعمارية لم تكن تملك سيادة قانونية نهائية على فلسطين آنذاك، في الوقت الذي كان فيه السكان العرب يشكلون الأغلبية الساحقة.
وقد رأى العديد من الباحثين أن الوعد لم يكن مجرد موقف أخلاقي أو ديني، بل كان جزءًا من حسابات استراتيجية بريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، مرتبطة بإدارة المشرق العربي ومواجهة النفوذ العثماني وتعزيز المصالح البريطانية.
ومن هنا بدأ التحول من فكرة قومية يهودية إلى مشروع سياسي مدعوم من قوة دولية كبرى، وهو ما مهد لاحقًا لتطورات الانتداب البريطاني والهجرة المنظمة والصراع على الأرض.
يتبع في الجزء الثاني:
المؤرخون الإسرائيليون الجدد وإعادة قراءة نشأة إسرائيل:
إيلان بابيه ورؤية "التطهير العرقي".
شلومو ساند ومسألة "اختراع الشعب اليهودي".
آفي شلايم ونقد العلاقة بين القوة والرواية التاريخية.
بيني موريس بين التوثيق التاريخي والمراجعات السياسية.
كيف انتقل الفكر الصهيوني من القومية العلمانية إلى اليمين الديني بعد عام 1967؟
دور التيارات الدينية القومية في الاستيطان والضم وتغيير طبيعة الدولة الإسرائيلية.
من أرتحششتا إلى وعد بلفور وصولًا إلى اليمين الصهيوني المعاصر
الدين والتاريخ والأيديولوجيا: كيف تحوّلت الرواية التاريخية إلى مشروع سياسي؟
قراءة استراتيجية في تطور الفكر الصهيوني ومقاربات المؤرخين الإسرائيليين
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
الجزء الثاني
المؤرخون الإسرائيليون الجدد وإعادة تفكيك الرواية الصهيونية التقليدية
شكّل ظهور ما عُرف في إسرائيل بـ"المؤرخين الجدد" خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحولًا مهمًا في دراسة تاريخ الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل عام 1948. فقد اعتمد هؤلاء المؤرخون على فتح الأرشيفات الإسرائيلية الرسمية وإعادة قراءة الوثائق المتعلقة بالحرب والهجرة والعلاقات السياسية، الأمر الذي أدى إلى مراجعة عدد من المسلمات التي كانت جزءًا من الرواية الرسمية الإسرائيلية.
لم يكن هذا التيار متجانسًا في مواقفه، كما لم يؤدِّ إلى اتفاق كامل حول تفسير الأحداث، لكنه فتح الباب أمام نقاش تاريخي واسع حول طبيعة المشروع الصهيوني، وحول مسؤولية الأطراف المختلفة في نشوء الصراع واستمراره.
إيلان بابيه: قراءة نقدية لمسار عام 1948
يُعد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه من أبرز الأصوات النقدية داخل المدرسة التاريخية الإسرائيلية. وقد ركز في كتاباته، خصوصًا كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، على أحداث عام 1948، معتبرًا أن تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل ارتبط – وفق تحليله – بسياسات هدفت إلى تغيير الواقع الديموغرافي في فلسطين.
ويرى بابيه أن فهم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يمكن أن يقتصر على رواية "حرب الاستقلال" كما تقدمها الرواية الإسرائيلية التقليدية، بل يجب دراسة تجربة الشعب الفلسطيني وما ترتب على عام 1948 من لجوء وفقدان للأرض والهوية الوطنية.
وتعرضت أطروحات بابيه لانتقادات من بعض المؤرخين الإسرائيليين الذين رأوا أنها تحمل تفسيرًا سياسيًا قويًا للأحداث، إلا أن أهميتها تكمن في أنها طرحت داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه أسئلة كانت محرمة أو غير مطروحة سابقًا.
شلومو ساند: نقد فكرة القومية اليهودية الحديثة
أما المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند فقد أثار جدلًا واسعًا من خلال كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، حيث ناقش الطريقة التي تشكلت بها الرواية القومية اليهودية الحديثة، وانتقد بعض المسلمات المتعلقة بفكرة استمرار الهوية القومية عبر آلاف السنين بالمعنى السياسي الحديث.
ويميز ساند بين التاريخ الديني والهوية القومية الحديثة، معتبرًا أن القوميات الحديثة هي ظواهر سياسية حديثة نشأت في القرن التاسع عشر، وأن إسقاط مفهوم الدولة القومية المعاصرة على العصور القديمة يمثل إشكالية تاريخية.
وقد أثار الكتاب نقاشًا واسعًا بين المؤرخين، فبينما اعتبره بعض الباحثين مساهمة مهمة في نقد بناء الهوية القومية، رأى آخرون أنه يبالغ في تفسير بعض الجوانب التاريخية.
لكن القيمة الأساسية لعمل ساند أنه أعاد فتح النقاش حول العلاقة بين التاريخ والهوية والسياسة، وهي علاقة مركزية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
آفي شلايم: العلاقة بين القوة والرواية السياسية
يمثل آفي شلايم اتجاهًا آخر من المؤرخين الذين ركزوا على السياسة الإسرائيلية والعلاقات الإقليمية. فقد تناول في كتاباته تطور العلاقات العربية–الإسرائيلية، وانتقد جوانب من السياسة الأمنية الإسرائيلية، خاصة ما يتعلق باستخدام القوة ورفض بعض فرص التسويات السياسية.
ويرى شلايم أن قراءة تاريخ المنطقة لا يمكن أن تتم بعيدًا عن موازين القوى والتحولات الدولية، وأن الصراع لم يكن دينيًا بقدر ما كان صراعًا سياسيًا على الأرض والسيادة والحقوق الوطنية.
بيني موريس: التاريخ بين الوثيقة والتفسير
أما بيني موريس، وهو من أبرز المؤرخين الجدد، فقد قدم دراسات مهمة حول حرب 1948 واللاجئين الفلسطينيين اعتمادًا على الوثائق الإسرائيلية.
غير أن مساره الفكري شهد تحولًا، إذ انتقل لاحقًا إلى مواقف سياسية أكثر قربًا من التيار الصهيوني التقليدي، رغم استمرار أهمية أبحاثه التاريخية في دراسة أحداث عام 1948.
وتكشف تجربة المؤرخين الإسرائيليين الأربعة أن داخل إسرائيل نفسها يوجد صراع فكري حول كيفية قراءة الماضي، وأن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل مجال تتنافس فيه الروايات والتفسيرات.
الجزء الثالث
من الصهيونية العلمانية إلى اليمين الديني: التحول الاستراتيجي بعد عام 1967
لم يكن عام 1967 مجرد نقطة تحول عسكرية في تاريخ المنطقة، بل كان لحظة فارقة في تطور الفكر السياسي الإسرائيلي. فقد أدى احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة إلى صعود تيارات دينية قومية رأت في السيطرة على هذه المناطق تحقيقًا لفكرة "أرض إسرائيل الكبرى".
قبل عام 1967، كانت الصهيونية السياسية يغلب عليها الطابع العلماني القومي، حيث ركزت على بناء الدولة والمؤسسات والجيش والاقتصاد. أما بعد الحرب، فقد بدأ التيار الديني القومي يزداد نفوذًا، معتبرًا أن السيطرة على الأراضي المحتلة تحمل بعدًا دينيًا وتاريخيًا.
صعود الحركة الاستيطانية
كان تأسيس حركة غوش إيمونيم في سبعينيات القرن الماضي من أبرز مظاهر هذا التحول. فقد اعتبرت الحركة أن إقامة المستوطنات في الضفة الغربية ليست مجرد قرار سياسي، بل جزء من مشروع أيديولوجي.
ومع مرور الزمن، أصبحت المستوطنات عنصرًا مركزيًا في السياسة الإسرائيلية، وانتقلت من نشاط هامشي إلى سياسة مدعومة من حكومات إسرائيلية متعاقبة.
اليمين الإسرائيلي وإعادة تعريف الدولة
مع صعود أحزاب اليمين، خصوصًا منذ نهاية السبعينيات، بدأت إسرائيل تشهد تحولًا تدريجيًا من دولة تقوم على مزيج من القومية العلمانية والمؤسسات الديمقراطية إلى دولة تتزايد فيها تأثيرات التيار الديني القومي.
وقد بلغ هذا التحول مستويات أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة مع صعود شخصيات وأحزاب تمثل تيارًا قوميًّا دينيًا متشددًا يدعو إلى توسيع الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ويبرز هنا الفرق الجوهري بين اليهودية كدين وبين الصهيونية الدينية كأيديولوجيا سياسية؛ فالأولى تقوم على منظومة إيمانية وروحية، بينما الثانية تستخدم مفاهيم دينية في مشروع سياسي يتعلق بالأرض والسيادة والحدود.
كتاب "تحت الشمس والقمر" والفكر اليميني الصهيوني
في سياق دراسة خطاب اليمين الصهيوني المتطرف، تُناقش بعض الكتابات ذات الطابع الديني والقومي، ومنها كتاب "تحت الشمس والقمر"، باعتبارها جزءًا من الأدبيات التي تستند إليها بعض التيارات اليمينية في تفسير العلاقة بين الدين والأرض والسيادة.
وتقوم بعض هذه الأدبيات على رؤية تعتبر أن التاريخ الديني يمنح حقًا سياسيًا حصريًا، وهي رؤية تواجه انتقادات من باحثين يرون أن تحويل النصوص الدينية إلى برامج سياسية يؤدي إلى إقصاء حقوق الشعوب الأخرى ويعمّق الصراع.
ومن المهم التأكيد أن هذه الرؤية لا تمثل اليهودية كدين، ولا جميع اليهود، بل تمثل تيارًا أيديولوجيًا محددًا داخل الحركة الصهيونية المعاصرة.
الخلاصة الاستراتيجية
إن المسار التاريخي الممتد من أرتحششتا إلى وعد بلفور ثم إلى اليمين الصهيوني المعاصر يكشف كيف يمكن للتاريخ والدين والذاكرة أن تتحول إلى أدوات في الصراع السياسي.
فالمشكلة الأساسية ليست في الدين اليهودي، بل في توظيف الدين لخدمة مشروع سياسي يقوم على احتكار الأرض وإقصاء حقوق شعب آخر.
كما أن نقد الصهيونية وسياسات الحكومات الإسرائيلية لا يمثل موقفًا ضد اليهودية أو اليهود، بل هو نقد لأيديولوجيا سياسية وممارسات دولة تخضع للتقييم السياسي والقانوني مثل أي مشروع سياسي آخر.
وفي النهاية، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد باستدعاء الماضي لتبرير الحاضر، بل بقدرة الأطراف على التعامل مع الواقع وفق قواعد القانون الدولي، والاعتراف بحقوق الشعوب، وإنهاء منطق السيطرة والإقصاء الذي أثبت التاريخ أنه لا ينتج سلامًا دائمًا.



