الانتخابات ليست صندوق اقتراع فقط: لماذا يتطلب تعديل قانون الانتخابات تفعيل قانون الأحزاب أولاً؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 16, 2026 - 09:46
الانتخابات ليست صندوق اقتراع فقط: لماذا يتطلب تعديل قانون الانتخابات تفعيل قانون الأحزاب أولاً؟

الانتخابات ليست صندوق اقتراع فقط: لماذا يتطلب تعديل قانون الانتخابات تفعيل قانون الأحزاب أولاً؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكل القرار بقانون المعدل لقانون الانتخابات العامة، الذي أصدره الرئيس محمود عباس، خطوة مهمة على طريق تجديد الشرعيات الفلسطينية وإعادة تفعيل المؤسسات المنتخبة بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي والانقسام. غير أن أي قراءة موضوعية لهذه التعديلات تفرض طرح سؤال جوهري: هل يكفي تعديل قانون الانتخابات لإنجاح العملية الديمقراطية، أم أن الأمر يتطلب استكمال البنية القانونية والسياسية للحياة الديمقراطية، وفي مقدمتها تفعيل قانون الأحزاب السياسية؟
لقد تضمنت التعديلات الأخيرة رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وتخفيض سن الترشح إلى 23 عاماً، وزيادة تمثيل المرأة والشباب. وهي إجراءات تستهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز التمثيل المجتمعي، إلا أن نجاحها يبقى رهناً بوجود بيئة سياسية وقانونية سليمة تضمن التنافس الديمقراطي الحقيقي.
إن الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية دورية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون والتعددية السياسية وحرية التنظيم والمشاركة الشعبية. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل عن هذه الحقيقة بقوله: "إن قوة الديمقراطية لا تكمن في الانتخابات وحدها، بل في المؤسسات التي تحمي الحرية وتضمن المشاركة". وهذا ما يجعل الحديث عن الانتخابات بمعزل عن تنظيم الحياة الحزبية حديثاً ناقصاً من الناحية الدستورية والسياسية.
ففي الأنظمة الديمقراطية المعاصرة لا تُبنى الانتخابات على تجمعات انتخابية مؤقتة تنشأ قبل موعد الاقتراع ثم تختفي بعده، وإنما على أحزاب سياسية مستقرة تمتلك برامج ورؤى وآليات للمساءلة والمحاسبة. ولذلك فإن قانون الأحزاب يشكل أحد أهم ركائز النظام الديمقراطي، لأنه ينظم شروط التأسيس والعضوية والتمويل والرقابة والشفافية، ويضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية المختلفة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية التي تعاني من آثار الانقسام السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة. فخفض نسبة الحسم إلى 1% قد يفتح الباب أمام تمثيل أوسع للقوى السياسية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم داخل المجلس التشريعي إذا لم تكن هناك أحزاب وبرامج سياسية واضحة وقادرة على بناء تحالفات مستقرة وإنتاج حكومات فعالة.
ومن الناحية القانونية، فإن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 وتعديلاته يؤكد في المادة (26) حق المواطنين في المشاركة السياسية، بما يشمل تشكيل الأحزاب والانضمام إليها والمشاركة في الحياة العامة. كما تنص المادة (5) على أن نظام الحكم في فلسطين يقوم على أساس التعددية السياسية والحزبية. وعليه، فإن تنظيم الحياة الحزبية ليس خياراً سياسياً فحسب، بل استحقاق دستوري يفرضه القانون الأساسي ذاته.
أما على المستوى الدولي، فإن المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه دولة فلسطين، تكفل حق المواطنين في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والترشح والانتخاب في انتخابات دورية حرة ونزيهة. غير أن هذا الحق يرتبط عملياً بوجود بيئة سياسية تسمح بحرية التنظيم والعمل الحزبي والتنافس العادل.
لقد أدرك الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل أهمية التنظيم السياسي عندما قال: "إن المؤسسات الحرة لا تعمل من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى مواطنين وقوى سياسية قادرة على استخدامها بصورة مسؤولة". وهذا القول ينطبق تماماً على الحالة الفلسطينية، حيث لا يمكن للانتخابات أن تحقق أهدافها الوطنية إذا لم تسبقها عملية إصلاح سياسي وقانوني تعيد الاعتبار للمؤسسات ولثقافة المشاركة الديمقراطية.
كما أن الدعوة إلى الانتخابات يجب أن تترافق مع ضمانات وطنية شاملة، تشمل حرية العمل السياسي والإعلامي، واحترام الحريات العامة، وضمان مشاركة القدس، وتأمين إجراء الانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة متزامنة، وتوفير رقابة قضائية مستقلة وإشراف مهني من لجنة الانتخابات المركزية.
إن التجارب الديمقراطية في العالم تؤكد أن قوة النظام السياسي لا تقاس بعدد الناخبين الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع فحسب، وإنما بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل الإرادة الشعبية وتحويلها إلى سياسات عامة. وقد لخّص الفيلسوف جان جاك روسو هذه الفكرة بقوله: "السيادة ليست مجرد حق في الاختيار، بل مسؤولية في إدارة الإرادة العامة".
وعليه، فإن تعديل قانون الانتخابات يمثل خطوة ضرورية، لكنه لا ينبغي أن يكون الخطوة الأخيرة. فالأولوية الوطنية تقتضي استكمال المنظومة القانونية الناظمة للحياة السياسية عبر تفعيل قانون الأحزاب، وإطلاق حوار وطني شامل حول قواعد العملية الديمقراطية، وضمان الشراكة السياسية الحقيقية بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء الشرعية الوطنية وتعزيز الوحدة الداخلية وتمكين الشعب الفلسطيني من مواجهة التحديات المصيرية التي تفرضها سياسات الاحتلال ومشاريع الضم والاستيطان. ومن هنا فإن نجاح أي استحقاق انتخابي قادم لن يقاس بعدد المقاعد التي ستوزع بين القوائم، بل بمدى قدرته على إعادة إنتاج نظام سياسي ديمقراطي قادر على توحيد الفلسطينيين وصون حقوقهم الوطنية وترسيخ سيادة القانون ومبدأ التداول السلمي للسلطة.
إن بناء الدولة يبدأ ببناء المؤسسات، وبناء المؤسسات يبدأ باحترام القانون، واحترام القانون يبدأ بتوفير بيئة سياسية سليمة تكون فيها الأحزاب السياسية شريكاً في صناعة القرار الوطني لا مجرد أداة انتخابية موسمية. ولذلك فإن تفعيل قانون الأحزاب يجب أن يسبق تحديد موعد الانتخابات، لأن الديمقراطية الحقيقية تبدأ من التنظيم السياسي الرشيد قبل أن تنتهي عند صناديق الاقتراع.