تسوية الأراضي في الضفة الغربية: مشروع إسرائيلي لتكريس الضم وفرض السيادة بالقوة في مواجهة القانون الدولي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مايو 29, 2026 - 10:07
تسوية الأراضي في الضفة الغربية: مشروع إسرائيلي لتكريس الضم وفرض السيادة بالقوة في مواجهة القانون الدولي

تسوية الأراضي في الضفة الغربية: مشروع إسرائيلي لتكريس الضم وفرض السيادة بالقوة في مواجهة القانون الدولي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في واحدة من أخطر الخطوات التي تستهدف الوجود الوطني الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والقانونية، أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلي الشروع بإجراءات تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، عبر فتح مكاتب وإطلاق منصات إلكترونية لتحديث بيانات الملكيات العقارية، في خطوة تتجاوز الطابع الإداري أو التنظيمي المعلن لتشكل مشروعاً سياسياً واستراتيجياً متكاملاً يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع القانوني والسيادي للأرض الفلسطينية المحتلة تمهيداً لتكريس الضم وفرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على الضفة الغربية، وخاصة المناطق المصنفة (ج).
هذه الإجراءات تأتي في سياق مشروع استيطاني استعماري طويل الأمد لم يعد يقتصر على مصادرة الأراضي بالقوة العسكرية أو التوسع الاستيطاني، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على هندسة الواقع القانوني والإداري والديموغرافي للأرض الفلسطينية، عبر فرض منظومة قانونية إسرائيلية على إقليم محتل يخضع للحماية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية.
إن الاحتلال الإسرائيلي يدرك أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لترسيخ مشروعه الاستيطاني، لذلك يسعى إلى تحويل الاحتلال المؤقت – وفق أحكام القانون الدولي – إلى سيطرة قانونية وإدارية دائمة، من خلال إعادة تسجيل الأراضي، وتغيير مرجعيات الملكية العقارية، وفرض الوقائع القانونية بالقوة، بما يسمح لاحقاً بإضفاء طابع “شرعي” على الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي الفلسطينية.
الأرض جوهر الصراع ومركز المشروع الاستيطاني
لم يكن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يوماً مجرد نزاع حدودي، بل كان صراعاً على الأرض والسيادة والهوية الوطنية. ومن هنا، فإن استهداف ملف الأراضي والتسجيل العقاري يمثل محاولة إسرائيلية لضرب الأساس القانوني والسيادي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وتكمن خطورة هذه الإجراءات في أنها تستهدف بصورة خاصة المناطق المصنفة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتحتوي على الجزء الأكبر من الموارد الطبيعية والمناطق الزراعية والمواقع الاستراتيجية، وهي الامتداد الجغرافي الضروري لأي دولة فلسطينية قابلة للحياة.
إن نجاح الاحتلال في فرض منظومة تسجيل إسرائيلية في هذه المناطق يعني عملياً نقل السيطرة من احتلال عسكري مؤقت إلى سيادة قانونية وإدارية دائمة، بما يؤدي إلى تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وتحويل الضفة الغربية إلى معازل وجزر منفصلة خاضعة للهيمنة الإسرائيلية.
مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني
تعتبر الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرضاً محتلة وفق أحكام القانون الدولي، وبالتالي تخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ولوائح لاهاي لعام 1907 المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية.
وقد نصت المادة (47) من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر قيام دولة الاحتلال بأي إجراءات تؤدي إلى تغيير الوضع القانوني أو الإداري للأراضي المحتلة أو حرمان السكان الواقعين تحت الاحتلال من حقوقهم السيادية والقانونية.
كما أكدت المادة (46) من لوائح لاهاي وجوب احترام الملكية الخاصة وعدم جواز مصادرتها، في حين نصت المادة (55) على أن دولة الاحتلال ليست مالكة للأراضي المحتلة، بل تُعتبر مجرد “مدير ومنتفع” مؤقت لا يملك حق التصرف بالأرض أو تغيير طبيعتها القانونية والسيادية.
وعليه، فإن إجراءات الاحتلال المتعلقة بتسوية الأراضي وتسجيل الملكيات وفق القانون الإسرائيلي تمثل انتهاكاً مباشراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ومحاولة لفرض السيادة الإسرائيلية على أراض محتلة بالقوة، وهو أمر محظور دولياً.
انتهاك لميثاق الأمم المتحدة وحق تقرير المصير
تتعارض السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالأراضي مع المبادئ الأساسية الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وقد أكدت المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حق الشعوب في تقرير مصيرها والسيطرة على ثرواتها ومواردها الطبيعية.
ومن هنا، فإن فرض منظومة تسجيل وتسوية إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية يشكل انتهاكاً مباشراً للحق السيادي للشعب الفلسطيني على أرضه وموارده، ويهدف إلى تقويض أسس الدولة الفلسطينية المستقبلية.
تعارض واضح مع قرارات الشرعية الدولية
تشكل الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة خرقاً واضحاً لعشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها:
قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967 الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب.
قرار مجلس الأمن رقم 338 لعام 1973 الداعي إلى تنفيذ القرار 242.
قرار مجلس الأمن رقم 446 لعام 1979 الذي اعتبر الاستيطان الإسرائيلي غير شرعي قانونياً.
قرار مجلس الأمن رقم 465 لعام 1980 الذي طالب إسرائيل بوقف الاستيطان وعدم تغيير الوضع الجغرافي والديموغرافي للأراضي المحتلة.
قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 الذي أكد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
وبالتالي، فإن أي إجراءات إسرائيلية تتعلق بإعادة تسجيل الأراضي أو فرض نظام ملكية إسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة تُعد إجراءات باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني وفق قواعد الشرعية الدولية.
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024: الاحتلال والاستيطان غير قانونيين
تزداد خطورة هذه السياسات في ضوء الرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2024 بشأن “الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.
فقد أكدت المحكمة بشكل واضح أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وما يرتبط به من استيطان وضم وتغيير ديموغرافي وجغرافي، يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، وأن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح غير قانوني ويتوجب إنهاؤه.
كما شددت المحكمة على أن جميع الإجراءات التي تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو الجغرافي أو الديموغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة تُعد باطلة وغير مشروعة، وأن سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي تمثل شكلاً من أشكال الضم الفعلي المخالف للقانون الدولي.
وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذا الرأي في أنه لا يكتفي بإدانة بعض ممارسات الاحتلال، بل يعتبر أن منظومة الاحتلال والاستيطان بمجملها أصبحت غير قانونية، الأمر الذي يجعل إجراءات “تسوية الأراضي” الإسرائيلية جزءاً من مشروع ضم واستيطان محظور دولياً.
كما أكدت المحكمة مسؤولية المجتمع الدولي بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الاحتلال والاستيطان، وعدم تقديم أي دعم أو مساعدة من شأنها تكريس هذا الوضع غير القانوني.
أبعاد سياسية واستراتيجية خطيرة
لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تضم قوى يمينية ودينية متطرفة تدعو علناً إلى ضم الضفة الغربية وفرض “السيادة الإسرائيلية” عليها.
فالاحتلال يسعى اليوم إلى حسم الصراع على الأرض عبر أدوات قانونية وإدارية، مستفيداً من الانقسام الدولي، وضعف آليات المحاسبة، والعجز الدولي عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
كما تمثل هذه السياسات محاولة لإنهاء عملي لفكرة حل الدولتين، عبر خلق وقائع جغرافية وقانونية تجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة أمراً شبه مستحيل.
وفي الوقت ذاته، فإن هذه الخطوات تكشف حجم التناقض بين الخطاب الدولي الداعي إلى السلام وحل الدولتين، وبين غياب أي إجراءات دولية عملية لوقف سياسات الضم والاستيطان الإسرائيلية.
المسؤولية الفلسطينية والدولية
في مواجهة هذه المخاطر، تكتسب تحذيرات سلطة الأراضي الفلسطينية أهمية وطنية وقانونية كبيرة، خاصة دعوتها المواطنين إلى عدم التعاطي مع أي منصات أو لجان أو إجراءات إسرائيلية تتعلق بالأراضي أو الملكيات العقارية، لأن أي تعاون مع هذه الإجراءات قد يُستخدم لإضفاء مظهر قانوني على سياسات الضم والاستيلاء.
كما أن المطلوب فلسطينياً لم يعد يقتصر على بيانات الإدانة، بل يستوجب إطلاق استراتيجية وطنية شاملة لحماية الأرض الفلسطينية، تشمل تسريع عمليات التوثيق والتسجيل الفلسطيني، وتعزيز الحماية القانونية للأراضي، وتفعيل المسارات القضائية الدولية، وملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبار أن الاستيطان والضم يمثلان جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي.
أما المجتمع الدولي، فهو أمام اختبار حقيقي لمصداقية النظام القانوني الدولي، لأن استمرار الصمت والعجز عن محاسبة إسرائيل يشجعها على المضي في سياسات فرض الوقائع بالقوة وتقويض أسس العدالة الدولية.
خاتمة
إن ما تقوم به إسرائيل تحت عنوان “تسوية الأراضي” ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل مشروع سياسي واستعماري متكامل يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة عبر أدوات قانونية وإدارية باطلة.
غير أن القانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، وآراء محكمة العدل الدولية، تؤكد جميعها أن الاحتلال لا يملك أي سيادة قانونية على الأرض الفلسطينية، وأن جميع الإجراءات الرامية إلى تغيير الوضع القانوني أو الجغرافي أو الديموغرافي للأراضي المحتلة هي إجراءات باطلة ولاغية.
وستبقى الأرض الفلسطينية، وفق القانون والتاريخ والشرعية الدولية، أرضاً محتلة يملك الشعب الفلسطيني وحده الحق السيادي والقانوني عليها، مهما حاول الاحتلال فرض الوقائع بالقوة أو استغلال الصمت الدولي لتكريس مشروعه الاستيطاني.