أنا الصفر… وأنا القلم

لم أخجل يوماً من أن أكون “صفراً”.

مايو 11, 2026 - 11:37
أنا الصفر… وأنا القلم

أنا الصفر… وأنا القلم

لم أخجل يوماً من أن أكون “صفراً”.

 

محمد قاروط أبو رحمه

فالصفر في نظر السطحيين فراغ، أما في نظر من فهموا الحياة فهو بداية كل شيء.

الصفر ليس عدماً، بل مساحة احتمالات. وحين يقف في المكان الصحيح، يتحول من دائرة صامتة إلى قوة تضاعف المعنى والقيمة والأثر.

 

وأنا في رحلتي الطويلة، لم أسعَ لأن أكون رقماً متضخماً يملأ المشهد ضجيجاً، بل سعيت أن أكون “صفراً واعياً” يعرف أين يضع نفسه، ولمن يمنح قيمته. فالصفر لا يصنع المعنى وحده، لكنه حين يتموضع بجانب الحقيقة، يتحول إلى طاقة لا يستهان بها.

 

تعلمت من الميدان أن بعض الأرقام تبدو كبيرة لكنها خاوية من الداخل، وأن بعض الرجال ترفعهم المناصب لكنهم يسقطون عند أول اختبار أخلاقي. بينما هناك من يشبهون الصفر؛ متواضعون في الشكل، لكن وجودهم بجانب الحق يصنع الفرق كله.

 

لهذا كنت أبحث دائماً عن “الواحد الصحيح”؛ الفكرة الصحيحة، الإنسان الصحيح، القضية الصحيحة. لأنني أدركت مبكراً أن قيمة الصفر ليست في ذاته، بل في الموقع الذي يختاره.

 

لكنني لم أكن صفراً فقط…

كنت أيضاً “قلماً”.

 

والقلم ليس قطعة حبر، بل وعيٌ وموقف ورسالة. القلم الحقيقي لا يكتب ليتزين على الرفوف، بل ليحرس المعنى من الضياع، ويقف مع الإنسان حين تتراجع الأصوات الصادقة.

 

أنا القلم…

لأنني أضع صفري في مكانه الصحيح.

 

أعرف متى أقف بجانب إنسان يستحق، ومتى أرفض أن أكون جزءاً من رقم زائف. أعرف أن الكلمة إذا وضعت في موضعها الصحيح، تصبح أقوى من الضجيج، وأن الموقف الشريف قد يهزم جيوشاً من التبرير والخداع.

 

كتبت لأنني رأيت الحقيقة تختنق وسط الصخب.

وكتبت لأن الميدان علمني أن الذاكرة الضعيفة أخطر من الهزيمة.

وكتبت لأن الحكمة إذا لم تُكتب، ماتت بصمت.

 

في كل مقال كنت أحاول أن أنقذ معنى، وأن أزرع وعياً، وأن أقول للناس إن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يمنحه للآخرين.

 

أنا الصفر…

لأنني تعلمت التواضع أمام التجربة.

 

وأنا القلم…

لأن الصمت أمام الخطأ خيانة.

 

وحين يجتمع الصفر مع القلم…

تمتلك قوة لا تُقهر.

 

قوة لا تقوم على البطش، بل على الوعي.

لا تعتمد على الضجيج، بل على وضوح الرؤية.

قوة تعرف أين تقف، ومتى تتكلم، وكيف تحول الكلمة إلى أثر، والأثر إلى تاريخ.

 

لقد رأيت في حياتي كثيرين امتلكوا السلطة لكنهم فشلوا في صناعة المعنى، ورأيت آخرين لم يملكوا إلا قلماً صادقاً، فغيّروا وعياً كاملاً.

 

لهذا لم أؤمن بالقوة المجردة،

بل بالقوة التي تمتلك ضميراً.

 

القلم علمني أن الفكرة قد تهزم الظلم،

والصفر علمني أن القيمة الحقيقية تأتي من حسن التموضع.

 

فإذا وضعت قلمك في خدمة الحقيقة،

ووضعت صفرك بجانب ما يستحق،

أصبحت قادراً على صناعة أثر يتجاوز عمرك وموقعك وزمانك.

 

لهذا أقولها بثقة:

أنا الصفر الذي عرف مكانه،

وأنا القلم الذي عرف رسالته.