إذا أردت أن تُطاع… فاطلب المستطاع

قراءة في نقاشات مؤتمر حركة فتح الثامن

مايو 4, 2026 - 09:30
 إذا أردت أن تُطاع… فاطلب المستطاع

 

 إذا أردت أن تُطاع… فاطلب المستطاع

قراءة في نقاشات مؤتمر حركة فتح الثامن

 

محمد قاروط أبو رحمه

عضو المجلس الاستشاري، عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية

في لحظة تُوصف بأنها من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ القضية الفلسطينية، تستعد حركة فتح لعقد مؤتمرها الثامن في أيار 2026، وسط تحولات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، ونقاشات داخلية تتجاوز التنظيم إلى سؤال الدور والمستقبل.

وفي قلب هذه اللحظة، تبدو الحكمة القديمة: إذا أردت أن تُطاع، فاطلب المستطاع
أكثر راهنيه من أي وقت مضى.

 

بين مؤتمر التغيير وواقع القيود

النقاشات الدائرة داخل وخارج الحركة اليوم لا تقتصر على:

الانتخابات، أو التمثيل، بل تمتد إلى أسئلة كبرى:

ما هو المشروع الوطني بعد تعثر التسوية؟ كيف تُدار العلاقة مع الاحتلال؟

ما شكل القيادة القادمة؟

لكن المشكلة ليست في حجم الأسئلة، بل في مدى قابلية الإجابة عليها ضمن الواقع القائم.

فالدعوة إلى مؤتمر تحوّل، أو إعادة بناء المشروع، تصطدم مباشرة ببيئة: احتلال يتحكم بالموارد، انقسام سياسي، ضغوط إقليمية ودولية، وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل ما يُطلب من المؤتمر ممكن التحقيق؟ أم أنه يتجاوز القدرة السياسية الفعلية؟

 

صراع المواقع أم تعبير عن بنية مقيدة؟

تشير المعطيات إلى أن التحضيرات تشهد:

منافسة شديدة على المواقع، تحشيد عبر الاتصالات ووسائل التواصل، دخول وجوه جديدة مقابل استمرار قيادات قائمة.

وغالبًا ما يُفسَّر هذا على أنه: أزمة أخلاقية أو تنظيمية، لكن قراءة أعمق تشير إلى أنه:

نتيجة طبيعية لبنية سياسية محدودة الموارد

فعندما تصبح: المواقع محدودة، والقدرة على الفعل محدودة، يتحوّل الصراع من:

صراع برامج، إلى: صراع مواقع، وهنا تحديدًا تبرز أهمية الحكمة:

لا يمكن طلب سياسة كبرى بأدوات محدودة

 

الواقعية السياسية: ما الذي يمكن فعله فعلًا؟

في ظل هذا الواقع، لا يكفي أن يطرح المؤتمر: رؤى كبيرة، أو شعارات استراتيجية، بل المطلوب هو: إعادة تعريف الممكن لا الحلم

وهذا يعني: أهداف قابلة للتحقق، خطوات تراكمية، ربط الخطاب بالقدرة، لأن التجربة أثبتت أن: رفع سقف التوقعات دون أدوات، يؤدي إلى الإحباط، بينما الأهداف الواقعية
 
تبني ثقة واستمرارية.

 

أخطار القفز إلى إعادة تعريف كبرى

ضمن النقاشات الجارية، يظهر اتجاه يدعو إلى: إعادة تعريف دور الحركة

أو إعادة صياغة مشروعها بالكامل، لكن هذا الطرح، رغم جاذبيته، يحمل أخطار واضحة:

في ظل: اختلال موازين القوى، وضغط الواقع، قد تتحول إعادة التعريف إلى:

تكيّف مع الواقع لا تغييره

أي: بدل استعادة الدور، إعادة صياغته بما يناسب القيود، وهنا تكمن الخطورة:

أن يتحول الطموح إلى شرعنه للتراجع

 

 

 

المؤتمر كاختبار للقدرة لا للشعارات

المؤتمر الثامن، بوصفه أعلى هيئة تنظيمية في الحركة والمسؤول عن مراجعة البرنامج وانتخاب القيادة، لا يُقاس نجاحه بكمية ما يعلنه، بل بمدى قدرته على:

تقليص الفجوة بين الخطاب والواقع، إنتاج قيادة قادرة على الإنجاز، بناء برنامج يمكن تطبيقه. فالتحدي ليس: ماذا نريد؟ بل: ماذا نستطيع أن نحقق الآن؟

 

من الطموح المجرد إلى الفعل المركب

الواقعية هنا لا تعني التراجع، بل تعني: العمل داخل التناقض، وتحويل القيود إلى مجال فعل، وهذا يتطلب: الجمع بين الإدارة والنضال، بين الممكن والهدف، أي ما يمكن تسميته:

الفعل السياسي المركب

 

خاتمة: الطاعة تُبنى على الممكن

في النهاية، لا تُقاس قوة حركة فتح بقدرتها على إعلان التحولات الكبرى، بل بقدرتها على:

تحويل الممكن إلى إنجاز، ثم توسيع الممكن تدريجيًا، فالحكمة ليست تقليل الطموح، بل:

ضبطه، وتوجيهه، وبناؤه خطوة خطوة، لأن الحركة التي تطلب ما لا يُستطاع:

تخسر الطاعة، وتخسر الثقة، أما التي تطلب الممكن:

فتؤسس لقدرة، وقدرة تتحول مع الزمن إلى مشروع