عباس محمود العقاد والديمقراطية بين فلسفة الفكر وتجربة التاريخ الروماني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مايو 4, 2026 - 09:31
عباس محمود العقاد والديمقراطية بين فلسفة الفكر وتجربة التاريخ الروماني

عباس محمود العقاد والديمقراطية بين فلسفة الفكر وتجربة التاريخ الروماني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في زمن تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل الدولة الوطنية، وشرعية المؤسسات، وحدود السلطة، وحق الشعوب في المشاركة السياسية، تعود الحاجة إلى استحضار رموز الفكر العربي الذين تناولوا قضية الديمقراطية بوصفها مشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا مجرد آلية انتخابية أو شعار سياسي. وفي مقدمة هؤلاء يبرز اسم عباس محمود العقاد، الذي قدّم قراءة عميقة لمسألة الحرية والحكم الرشيد، مستفيدًا من تجارب التاريخ الإنساني، وفي مقدمتها التجربة الرومانية.
لم يكن العقاد مفكرًا سياسيًا تقليديًا، بل صاحب رؤية شاملة ربطت بين نهضة الإنسان ونهضة الدولة، وبين الوعي الشعبي وسلامة النظام السياسي. ولذلك نظر إلى الديمقراطية باعتبارها ثقافة ومسؤولية وممارسة يومية، وليست مجرد صندوق اقتراع أو تنافس على السلطة.
الديمقراطية في فكر العقاد: جوهر أخلاقي قبل أن تكون نظامًا سياسيًا
أدرك العقاد أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الناخبين فقط، ولا بكثرة الأحزاب وحدها، بل بمدى احترام الدولة لكرامة الإنسان، وبوجود مؤسسات قادرة على حماية الحقوق، وضمان المحاسبة، ومنع تغوّل السلطة.
ففي نظره، الديمقراطية تقوم على ركائز أساسية، أبرزها:
حرية الرأي والتعبير. استقلال القضاء وسيادة القانون.مسؤولية الحاكم أمام الشعب. تداول السلطة وفق الأصول الدستورية.وعي المواطن بحقوقه وواجباته.
ومن هنا، كان العقاد يرى أن الاستبداد لا يرتبط فقط بالحاكم الفرد، بل قد يظهر أيضًا في مجتمع يغيب فيه النقد، أو تُصادر فيه الحقيقة، أو تُستبدل فيه الكفاءة بالولاء.
التجربة الرومانية: درس التاريخ في تنظيم السلطة
حين تناول العقاد تطور النظم السياسية، وجد في الجمهورية الرومانية محطة مهمة لفهم كيفية انتقال المجتمعات من الحكم الفردي إلى أنظمة أكثر توازنًا.
فقد عرفت روما القديمة نموذجًا سياسيًا متقدمًا بالنسبة لعصره، قام على توزيع السلطة بين مؤسسات متعددة، من أبرزها:
مجلس الشيوخ بوصفه مركزًا للخبرة والتشريع والمشورة.
القناصل الذين يتولون السلطة التنفيذية لفترات محددة.
الجمعيات الشعبية التي شاركت في اختيار بعض المسؤولين وإقرار تشريعات معينة.
آليات رقابة حالت دون احتكار السلطة المطلقة لفترات طويلة.
كما ارتبط الوصول إلى بعض المناصب العليا بشروط تتعلق بالعمر والخبرة العسكرية والخدمة العامة، بما يعكس أهمية الكفاءة والتجربة في إدارة الشأن العام، وإن بقيت هذه الحقوق محصورة ضمن فئات اجتماعية محددة.
بين ديمقراطية النخبة وديمقراطية العصر الحديث
لم يكن العقاد ينظر إلى روما باعتبارها نموذجًا نهائيًا، بل بوصفها مرحلة من مراحل تطور الفكر السياسي. فالديمقراطية الرومانية لم تكن شاملة؛ إذ استبعدت النساء والعبيد وقطاعات واسعة من السكان. لكنها أسست لمبادئ لا تزال حاضرة في الأنظمة الحديثة، ومنها:
تقييد السلطة بالقانون. تحديد مدة الولاية. الفصل النسبي بين الصلاحيات. ومبدأ الرقابة والمساءلة.ربط المنصب العام بالخدمة العامة لا بالميراث السياسي.وهذه المبادئ تطورت لاحقًا لتشكل أساس الدولة الدستورية الحديثة.
إسقاطات على الواقع العربي المعاصر
تكمن أهمية قراءة العقاد اليوم في أن كثيرًا من الدول لا تزال تواجه الإشكالية ذاتها: وجود مؤسسات شكلية من دون مضمون ديمقراطي حقيقي. فكم من انتخابات جرت دون مساءلة؟ وكم من برلمانات وُجدت بلا رقابة فعلية؟ وكم من دساتير كُتبت من دون احترام لروحها؟
إن الديمقراطية، كما فهمها العقاد، لا تنجح في بيئة يغيب عنها:
التعليم الحر.  الإعلام المستقل. تكافؤ الفرص. نزاهة الإدارة العامة.
استقلال القضاء. ثقافة قبول الآخر.
ومن دون هذه الأسس، تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية، بينما يبقى القرار الحقيقي محتكرًا.
الدرس الاستراتيجي
أهم ما نستفيده من العقاد ومن التجربة الرومانية معًا هو أن بناء الدولة العادلة يحتاج إلى توازن بين الشرعية الشعبية والكفاءة المؤسسية. فلا يكفي أن يحظى الحاكم بالتأييد، إن لم توجد مؤسسات تضبط الأداء وتحاسب المقصر. كما لا تكفي القوانين إذا غاب الوعي الشعبي القادر على الدفاع عنها.
فالدول القوية لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا تُدار بالعاطفة، بل بالحكمة والخبرة والرؤية الوطنية الجامعة.
خاتمة
يبقى عباس محمود العقاد من أبرز من أدركوا أن الديمقراطية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لبقاء الدولة واستقرار المجتمع. واستدعاؤه للتجربة الرومانية لم يكن استغراقًا في الماضي، بل بحثًا عن القواعد التي تصنع الحكم الرشيد في كل زمان.
وفي عالم عربي ما زال يبحث عن معادلة الدولة العادلة، تبقى رسالة العقاد صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى: لا تبدأ الديمقراطية من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من احترام الإنسان، وسيادة القانون، ووعي المواطن بدوره في صناعة المستقبل