بين التقدير والتطوير قراءة في نص الأخ بكر أبو بكر

في ضوء المؤتمر الثامن الحركة في مواجهة التحديات

أبريل 28, 2026 - 19:09
بين التقدير والتطوير قراءة في نص الأخ بكر أبو بكر

بين التقدير والتطوير قراءة في نص الأخ بكر أبو بكر

في ضوء المؤتمر الثامن الحركة في مواجهة التحديات

 

المنشور يوم 27/4/2026 على موقع راديو وتلفزيون كل الناس

محمد قاروط أبو رحمه

مقدمة

في لحظة مفصلية كالتي تعيشها الحركة قبيل المؤتمر العام الثامن، تتعاظم الحاجة إلى قراءةٍ واعية تجمع بين التقدير الصادق والنقد المسؤول. وانطلاقًا من هذه الروح، يأتي التفاعل مع ما طرحه الأخ بكر أبو بكر بوصفه جهدًا فكريًا يستحق التوقف عنده، لا من باب المجاملة، ولا من باب المعارضة، بل من باب الشراكة في الهمّ والمسؤولية.

 

في خضم النقاشات التي تواكب انعقاد المؤتمر العام الثامن، يبرز ما طرحه الأخ

 بكر أبو بكر بوصفه قراءة صريحة وجريئة للحظة الفتحاوية الراهنة. ليست هذه القراءة مجرد تشخيص لأزمة عابرة، بل محاولة لالتقاط لحظة تاريخية تقف فيها الحركة أمام سؤالها الأصعب: كيف تستمر دون أن تفقد روحها؟ وكيف تتجدد دون أن تنقطع عن جذورها؟

 

ما يلفت في هذا الطرح أنه لا يهرب من ثقل الواقع، بل يواجهه مباشرة. فالحركة، كما يشير، لا تمرّ بمرحلة عادية، بل بمنعطف حاد تتقاطع فيه التحديات الداخلية والخارجية، من البنية التنظيمية إلى البرنامج السياسي، ومن العلاقة مع الجماهير إلى موقعها في الإطار العربي الأوسع. وهنا تكمن أهمية هذا الصوت: أنه يرفض التبسيط، ويرفض أيضًا الاستسلام.

 

إن جوهر هذه المداخلة يتمحور حول فكرة أساسية: أن المأزق ليس نهاية، بل اختبار لطبيعة الاختيار. فإما أن يكون مدخلًا للمراجعة والتجدد، أو بوابة للتراجع والانكفاء. وهذا ما يعيد طرح الأسئلة الكبرى: هل تتقدم الحركة عبر الصراع والمقاومة، أم عبر التكيّف الذي يقترب من التنازل؟ وهل الصعوبة مبرر للتراجع، أم دافع لإعادة تعريف القوة؟

 

في حديثه عن الدائرة الحضارية، يعيد الأخ بكر التذكير بأن القضية الفلسطينية لم تكن يومًا معزولة عن عمقها العربي. وهنا لا يدعو إلى ذوبان الهوية، بل إلى فهمها في سياقها الأوسع؛ فالفلسطيني ليس كيانًا منفصلًا، بل جزء من نسيج حضاري حيّ، يتأثر ويؤثر. وهذه دعوة ضمنية لكسر أي نزعة انعزالية قد تُضعف الحضور السياسي أو تُربك الرؤية الاستراتيجية.

 

أما في محور الهوية، فيؤكد الطرح على ثبات الرواية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس، لا باعتبارها مجرد سردية تاريخية، بل كحقيقة ممتدة ومتجذرة. وفي ظل التحولات الدولية، تزداد أهمية هذه الرواية كأداة مقاومة، لا تقل شأنًا عن أي شكل آخر من أشكال النضال.

 

ومن أكثر النقاط عمقًا، حديثه عن "العقلية النضالية الانبساطية". هنا لا يتحدث عن مجرد سلوك تنظيمي، بل عن ثقافة كاملة: ثقافة تنفتح على النقد دون أن تنهار، وتستوعب الاختلاف دون أن تتفكك. وهي في جوهرها دعوة للانتقال من عقلية الوظيفة إلى عقلية الرسالة؛ من الأداء المحدود إلى الفعل المتجدد.

 

وفي تناوله لفرادة الحركة، يضع الإصبع على جرح دقيق: بين التميز المشروع، وخطر الغرور الذي يعزل الحركة عن شعبها. فـ"فتح" التي تشبه شعبها، هي وحدها القادرة على الاستمرار. أما تلك التي تنفصل عنه، فمهما امتلكت من تاريخ، تفقد مبرر وجودها.

 

ولا يقلّ محور البنية الداخلية أهمية، إذ يشير بوضوح إلى الحاجة الملحّة للتجديد التنظيمي. فالهياكل التي لا تتجدد، تتحول إلى عبء، والعلاقات التي لا تُعاد صياغتها، تصبح مصدر توتر بدل أن تكون مصدر قوة. وهنا تتجلى أهمية إعادة الاعتبار للعضو، بوصفه مركز الفعل، لا مجرد رقم في إطار.

 

أما في مسألة الاستراتيجية والبرنامج، فيضع الأخ بكر مسؤولية مضاعفة على الحركة: أن تفكر، وتراجع، وتعيد البناء على أسس علمية وواقعية. فالتاريخ الطويل ليس ضمانة للاستمرار، بل مسؤولية لإنتاج رؤية تليق بالمستقبل.

 

خلاصة:

إن ما قُدّم ليس مجرد نقد، بل فعل وفاء. فالنقد الذي ينبع من داخل التجربة، هو تعبير عن حرص على بقائها لا على تقويضها. وهذه الروح هي ما تحتاجه الحركة اليوم: أن ترى نفسها بوضوح، دون تجميل أو تهويل، وأن تختار، بإرادة واعية، طريق الصمود والتجدد.

 

فالمؤتمر العام الثامن ليس محطة عابرة، بل فرصة لإعادة تعريف الذات:

هل تكون الحركة امتدادًا لتاريخها فقط؟

أم بدايةً جديدة تليق بكل ما حملته من تضحيات؟

في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن المستقبل فقط…

بل عن القدرة على استحقاقه.