الإنسان كما هو لا كما نتمنى

محمد قاروط أبو رحمه

يونيو 9, 2026 - 09:12
الإنسان كما هو لا كما نتمنى

الإنسان كما هو لا كما نتمنى

محمد قاروط أبو رحمه

من أكثر الأخطاء شيوعًا في فهم الإنسان أننا نتعامل معه كما نتمنى أن يكون، لا كما هو بالفعل. نبني توقعاتنا على صورة مثالية رسمناها في أذهاننا، ثم نصاب بخيبة الأمل عندما يصطدم الخيال بالواقع. لا لأن الإنسان سيئ بالضرورة، بل لأننا حمّلناه ما لم يكن فيه أصلًا.

الإنسان كائن معقد؛ يحمل في داخله التناقضات كلها تقريبًا. يجمع بين القوة والضعف، وبين الشجاعة والخوف، وبين الإيثار والمصلحة. قد يكون كريمًا في موقف، وأنانيًا في آخر. وقد يملك نوايا طيبة لكنه يعجز عن ترجمتها إلى أفعال. هذه الطبيعة المركبة ليست استثناءً عند بعض الناس، بل هي جزء من التكوين الإنساني نفسه.

المشكلة لا تبدأ عندما يخطئ الإنسان، بل عندما نرفض الاعتراف بإمكانية الخطأ فيه. حين نضع الأشخاص على منصات مثالية، فإننا لا نمنحهم قيمة أكبر، بل نضعهم في مكان لا يستطيعون البقاء فيه طويلًا. وعندما يسقطون من تلك الصورة المتخيلة، نعتقد أنهم تغيروا، بينما الحقيقة أنهم كانوا كما هم منذ البداية، لكننا لم نرهم بوضوح.

فهم الإنسان كما هو لا يعني التشاؤم أو فقدان الثقة بالناس، بل يعني بناء الثقة على معرفة حقيقية لا على أوهام. فالقائد الناجح لا يفترض أن الجميع سيتصرفون بدافع الواجب، بل يبني أنظمة تضمن الواجب وتحاسب على التقصير. والمربي الحكيم لا يتوقع الكمال من تلاميذه، بل يدرك أن التعلم رحلة من الخطأ والتصحيح. وكذلك المجتمعات القوية لا تقوم على افتراض الفضيلة المطلقة، بل على مؤسسات تستوعب نقاط القوة والضعف معًا.

في السياسة، كثير من المشاريع تفشل لأنها تفترض إنسانًا مثاليًا غير موجود. تفترض أن الجميع سيقدمون المصلحة العامة على الخاصة، أو أن الانتماء وحده كافٍ لضمان الالتزام. لكن التجارب تعلمنا أن النجاح يتحقق عندما نفهم البشر كما هم، بقدراتهم وحدودهم، بطموحاتهم ومخاوفهم، ثم نبني السياسات والمؤسسات على هذا الفهم الواقعي.

وفي العلاقات الإنسانية، يصبح الأمر أكثر أهمية. فقبول الناس كما هم لا يعني قبول الأخطاء أو الاستسلام لها، بل يعني رؤية الإنسان كاملًا، لا اختزاله في لحظة ضعف أو لحظة قوة. فالناس ليسوا ملائكة ولا شياطين، وإنما بشر يسعون ويتعثرون ويصيبون ويخطئون.

الحكمة ليست في أن نبحث عن الإنسان الكامل، بل في أن نفهم الإنسان الحقيقي. فكلما اقتربت رؤيتنا من الواقع، أصبحت أحكامنا أكثر عدلًا، وتوقعاتنا أكثر اتزانًا، وقدرتنا على التأثير والتغيير أكثر فاعلية.

إن التعامل مع الإنسان كما هو لا كما نتمنى ليس تخليًا عن الأحلام، بل هو الطريق الوحيد لتحقيقها. فالبناء لا يبدأ من الصورة التي نرغب بها، بل من الأرض التي نقف عليها. والإنسان، بكل ما فيه من تعقيد ونقص وإمكانات، هو نقطة البداية الحقيقية لكل مشروع إصلاح أو نهضة أو تغيير.