التعليم في فلسطين: قوة للتغيير البشري… بين الإمكان والاختبار

أ. سناء شخشير

أبريل 23, 2026 - 08:53
التعليم في فلسطين: قوة للتغيير البشري… بين الإمكان والاختبار

التعليم في فلسطين: قوة للتغيير البشري… بين الإمكان والاختبار

أ. سناء شخشير

التعليم في فلسطين لا يمكن اختزاله في كونه خدمة عامة أو حقا أساسيا فحسب، بل يتجلى بوصفه ركيزة وطنية واستراتيجية لإعادة بناء الإنسان الفلسطيني وصون هويته في ظل واقع سياسي واقتصادي وتعليمي شديد التعقيد،  فهو يتجاوز حدوده التقليدية ليصبح أداة فاعلة في ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز قيم الصمود والانتماء، بما يجعله شكلا من أشكال المقاومة المعرفية اليومية التي تعيد إنتاج الإنسان القادر على الفهم والنقد والتجاوز.

ومع ذلك، فإن هذا الدور الوطني والتعليمي، على أهميته، يظل مرهونا بمدى قدرة النظام التعليمي الفلسطيني على تجسيده عمليا في المناهج والسياسات والممارسات التربوية، لا أن يبقى محصورا في إطار الخطاب النظري أو الشعارات ، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل التعليم من مجرد أداة توصيف للواقع إلى قوة تغيير حقيقية تسهم في بناء مجتمع قادر على الفعل والتأثير في مسار قضيته الوطنية.

لقد ظل الفلسطيني، عبر عقود، يراهن على المعرفة بوصفها المورد الأكثر ثباتا في ظل هشاشة الموارد الأخرى،  وفي هذا السياق، تتحول قاعة الدرس إلى مساحة لصياغة الذات، لا مجرد تلقي معلومات،  لكن هذا التصور يطرح تساؤلا نقديا مشروعا: إلى أي مدى ينجح التعليم فعليا في إنتاج هذا الوعي النقدي، في ظل مناهج تعليمية لا تزال في كثير من جوانبها تقليدية وتعتمد على التلقين أكثر من التحليل؟

وتتجلى قوة التعليم في فلسطين في قدرته على إنتاج جيل واع ، قادر على مساءلة واقعه والتفاعل معه بمرونة، فالطالب الفلسطيني لا يتعلم فقط مهارات معرفية، بل يكتسب بحكم السياق حسا نقديا مبكرا ومع ذلك، فإن تعميم هذه الصورة الإيجابية يتطلب قدرا من الحذر ،  إذ لا تزال هناك فجوة واضحة بين الطموح المعلن للنظام التعليمي وبين مخرجاته الفعلية بعد جائحة كورونا ، خاصة في ما يتعلق بمهارات التفكير النقدي والابتكار وتحويل التعليم للتعليم الإلكتروني.

غير أن الطريق أمام هذا الدور التحويلي ليس معبّدا فالتعليم في فلسطين يواجه تحديات مركبة، تبدأ من نقص الموارد والبنية التحتية، وتمر باكتظاظ الصفوف، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة والوصول ،  وفي بعض المناطق، تتجاوز كثافة الصفوف الحدود التربوية المقبولة، ما يضعف من جودة العملية التعليمية،  وهنا تبرز إشكالية جوهرية كيف يمكن لنظام تعليمي مثقل بالقيود أن يؤدي دورا تحرريا كاملا إن هذه المفارقة تستدعي إعادة التفكير في السياسات التعليمية، لا الاكتفاء بتمجيد صمودها.

وفي هذا السياق، يلعب المعلم  الذي يعيش ظروف معيشة صعبة أسوة ببقية الشرائح المجتمعية دورا يتجاوز وظيفته التقليدية، ليصبح حامل رسالة ومرشدا نفسيا وصانع أمل ، غير أن هذا الدور، رغم مركزيته، لا يحظى دائمًا بالدعم المؤسسي الكافي، سواء من حيث التأهيل المستمر أو الظروف المهنية كما تسهم المبادرات المجتمعية والمؤسسات المحلية والدولية في دعم التعليم، إلا أن هذا الدعم لا يزال في كثير من الأحيان موسميا أو غير مستدام، ما يحد من أثره الاستراتيجي.

ومن زاوية أخرى، يبرز تحد لا يقل أهمية، يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وهو ما يضعف من قدرة التعليم على أداء دوره التنموي الشامل،  فالتعليم الذي لا يفضي إلى تمكين اقتصادي ومعرفي فعلي، يبقى ناقص الأثر مهما كان خطابه طموحا.

إن الاستثمار في التعليم في فلسطين ليس خيارا، بل ضرورة وجودية، لكنه استثمار يجب أن يقوم على رؤية نقدية إصلاحية، لا على خطاب تمجيدي فقط. فكل طالب يمنح فرصة تعليم نوعي حقيقي، هو مشروع إنسان قادر على إحداث فرق، ليس فقط في مجتمعه، بل في الفضاء الإنساني الأوسع.

في المحصلة، يظل التعليم في فلسطين قوة تغيير إنساني عميقة، لكن هذه القوة لا تتحقق تلقائيا، بل تتطلب مراجعة مستمرة، وسياسات أكثر كفاءة، وربطا حقيقيا بين التعليم والواقع. فبين جدران المدارس لا تكتب فقط حكاية الصمود، بل يختبر أيضًا مدى قدرتنا على تحويل التعليم من مجرد أداة بقاء… إلى مشروع تحرر حقيقي.