سيادة القانون في مواجهة الشعبوية وخطاب الانحدار: نحو استعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
سيادة القانون في مواجهة الشعبوية وخطاب الانحدار: نحو استعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في ظل التحولات السياسية والإعلامية المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، برزت تحديات متنامية تمس جوهر الدولة الحديثة، وفي مقدمتها تصاعد الخطاب الشعبوي، وانتشار مظاهر التنمر، وتراجع مستوى الخطاب العام نحو أنماط تتسم بالانفعال والسطحية. هذه الظواهر، وإن بدت في ظاهرها انعكاسًا لحيوية المجتمعات وتفاعلها، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على منظومة القيم القانونية، وعلى رأسها مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه.
أولًا: الشعبوية وإشكالية الشرعية خارج الأطر المؤسسية
تعتمد الشعبوية على مخاطبة العواطف العامة، وتبسيط القضايا المركبة، بما يؤدي أحيانًا إلى تجاوز الأطر المؤسسية والقانونية. ورغم أن التعبير عن الإرادة الشعبية يمثل ركيزة أساسية في النظم الديمقراطية، إلا أن إضعاف المؤسسات أو التشكيك في دورها قد يفضي إلى خلل في توازن السلطات، ويؤثر سلبًا على مبدأ المشروعية الذي يُعد أساسًا للحكم الرشيد.
إن الشرعية، في الدولة القانونية، لا تُستمد من الخطاب أو الحشد، بل من احترام الدستور، والالتزام بالقوانين، وضمان استقلال القضاء، بما يعزز ثقة المواطن بالمؤسسات ويصون الاستقرار العام.
ثانيًا: التنمر وخطاب الإقصاء وتأثيره على المجال العام
يشهد الفضاء العام، لا سيما في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل، تصاعدًا في أنماط خطابية تتسم بالتجريح والإقصاء، وهو ما يمكن توصيفه قانونيًا ضمن أطر خطاب الكراهية أو الإساءة المعنوية. ولا يقتصر أثر هذه الظواهر على الأفراد، بل يمتد ليطال جودة النقاش العام، ويؤثر في قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته بصورة بناءة.
إن تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، وضبط الخطاب العام ضمن أطر قانونية وأخلاقية، يشكلان شرطًا أساسيًا لحماية التعددية، وضمان بيئة حوارية قائمة على الحجة لا على الإساءة.
ثالثًا: تراجع معايير الخطاب العام بين الحرية والمسؤولية
إن حرية التعبير تُعد من الحقوق الأساسية التي كفلتها الدساتير والمواثيق الدولية، غير أنها ليست مطلقة، بل ترتبط بمسؤولية قانونية وأخلاقية. ومع تراجع معايير الخطاب في بعض المنصات، بات من الضروري إعادة التأكيد على التوازن بين صون الحريات ومنع التجاوزات التي تمس كرامة الأفراد أو تهدد السلم المجتمعي.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام المهني في ترسيخ خطاب رصين، قائم على الدقة والموضوعية، بعيدًا عن الإثارة أو الانحدار، بما يسهم في رفع مستوى الوعي العام.
رابعًا: سيادة القانون كضامن للمساواة والاستقرار
يمثل مبدأ سيادة القانون حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة، حيث يخضع الجميع، أفرادًا ومؤسسات، لأحكام القانون دون تمييز. ولا تقتصر سيادة القانون على وجود نصوص تشريعية، بل تمتد إلى ضمان تطبيقها بعدالة وشفافية، بما يحقق مبدأ المساواة ويصون الحقوق والحريات.
إن أي تراجع في هذا المبدأ، سواء بفعل ضغوط خطابية أو ممارسات غير منضبطة، قد يؤدي إلى إضعاف الثقة العامة، ويقوض أسس العدالة، ويفتح المجال أمام اختلالات تمس السلم الأهلي.
خامسًا: نحو مقاربة متوازنة لتعزيز الخطاب القانوني
تتطلب مواجهة هذه التحديات تبني مقاربة شاملة، ترتكز على:
تعزيز الثقافة القانونية في المجتمع، بما يرسخ احترام القانون كمرجعية عليا.
دعم استقلالية المؤسسات، وعلى رأسها السلطة القضائية.
تطوير الأطر التنظيمية للإعلام، بما يضمن حرية التعبير ويمنع الإساءة.
ترسيخ قيم المواطنة القائمة على المساواة، بعيدًا عن أي نزعات إقصائية أو شوفينية.
كما أن المسؤولية تقع على عاتق النخب السياسية والإعلامية في تقديم نموذج خطابي يعكس الالتزام بالمعايير المهنية، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
خاتمة
إن الحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها يمر حتمًا عبر ترسيخ سيادة القانون، وصون مبدأ المساواة، وتعزيز خطاب عام يقوم على الاحترام والمسؤولية. وفي مواجهة التحديات الراهنة، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم القانونية والمؤسسية، بما يضمن إدارة الاختلاف ضمن أطر حضارية، ويصون كرامة الإنسان، ويعزز مناعة الدولة في وجه التحولات المتسارعة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تقييد الحريات، بل في توجيهها ضمن إطار قانوني وأخلاقي يحقق التوازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع، ويؤسس لخطاب عام أكثر نضجًا ومسؤولية.



