بين حظر القاصرين وقمعهم رقمياً.. هل تنجح المهمة؟
د. صبري صيدم
د. صبري صيدم
على قاعدة «كل ممنوعٍ مرغوب»، يتوثب القاصرون في بريطانيا وأستراليا وإسبانيا وغيرها من الدول بخطوات متسارعة، لمواجهة قرارات حكوماتهم حظر استخدام شبكات الإعلام الاجتماعي على الفئات العمرية الصغيرة. فكلما ارتفعت نبرة المنع، ازداد الفضول، وتعاظمت الرغبة، وتحوّل الحظر من أداة حماية مفترضة إلى تحدٍ مفتوح بين جيل رقمي ودول تحاول اللحاق بقدرات ذلك الجيل. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ينجح حظر القاصرين عن الإعلام الاجتماعي فعلًا، أم أنه مجرد مسكن تشريعي لأزمة أعمق؟
لا شك أن القرار، في جوهره، ربما يحمل أهدافًا نبيلة. فحماية القاصرين من الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، وتسليع الخصوصية، والتعرض للمحتوى العنيف أو المضلل، كلها دوافع أحياناً مشروعة بل وملحة. غير أن حسن النية لا يكفي وحده لصناعة سياسة ناجحة، خصوصًا حين نتحدث عن جيل وُلد وهو ملتصق بالأجهزة الذكية، ضليع في التعامل معها، قادر على التحايل على أبسط القيود وأكثرها تعقيدًا. نحن لا نتحدث عن مستخدمين عابرين، بل عن جيل يتنفس عبر الشاشات، ويُعيد تشكيل هويته، وعلاقاته، ولغته، من خلال منصات الإعلام الاجتماعي.
من الصعب تخيّل أن يقبل هذا الجيل طواعيةً بأن يُختزل استخدام هاتفه الذكي في ضبط ساعة المنبه، أو إضاءة الأماكن المعتمة عبر كشاف الجهاز. فالإعلام الاجتماعي لم يعد ترفًا أو هامشًا في حياة القاصرين، بل أصبح فضاءً للتعلم غير الرسمي، والتعبير، وبناء الصداقات، وأحيانًا حتى للربح والعمل المبكر. وعليه، فإن أي محاولة لاقتلاع القاصرين من ذلك الفضاء بشكل فجّ ستدفع القاصرين، حتمًا، إلى البحث عن بدائل ملتوية: حسابات مزيفة، أعمار وهمية، شبكات افتراضية خاصة، أو منصات أقل رقابة وأكثر خطورة.
من هنا، يبدو أن الحل ليس في القمع الرقمي، ولا في سنّ قوانين حاجبة يصعب تطبيقها ومراقبتها. فالتجارب السابقة تؤكد أن المنع التقني غالبًا ما يُنتج عكس ما يُراد له، ويُحوّل القاصرين إلى خبراء في التحايل بدل أن يكونوا مستخدمين واعين. كما أن تحميل المنصات أو الأجهزة وحدها مسؤولية ما يحدث، يُغفل الدور الأهم: دور الأسرة، والمدرسة، والمجتمع.
الحل الحقيقي يكمن في تنشئة القاصرين على الوعي الرقمي، لا الخوف الرقمي؛ على احترام مجتمعاتهم وقيمهم ومعتقداتهم، لا على الهروب منها؛ وعلى فهم مخاطر الإعلام الاجتماعي بقدر فهم فرصه. التربية الرقمية، وإدماج التفكير النقدي في المناهج، وبناء جسور ثقة بين الأهل والأبناء، تبدو أكثر نجاعة من أي حظر شامل. فالقاصر الذي يفهم لماذا يتجنب الإساءة، ولماذا يحمي خصوصيته، ولماذا يختار ما يستهلكه، هو قاصر أقل عرضة للانزلاق، حتى في غياب الرقابة.
باختصار، قد ينجح الحظر في تسجيل موقف اجتماعي وتقني، لكنه لن ينجح وحده في تغيير السلوك. أما الاستثمار في الإنسان، ووعيه، وقدرته على الاختيار، فهو الرهان الأصعب والأهم… لكنه الأجدى... للحديث بقية!
s.saidam@gmail.com
ملاحظة: كتب هذا المقال بمساهمة محدودة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي



