غزة بلا سيادة اليوم، فلسطين بلا دولة غداً

د. إبراهيم نعيرات

فبراير 1, 2026 - 09:43
غزة بلا سيادة اليوم، فلسطين بلا دولة غداً

د. إبراهيم نعيرات

ما يُحضَّر لقطاع غزة اليوم ليس سوء إدارة، ولا اجتهادًا دوليًا فاشلًا، ولا حتى “حلًا ناقصًا” فرضته الظروف. ما يجري هو مشروع سياسي كامل، متكامل، ومتدرّج، هدفه النهائي ليس إنهاء الحرب ولا رفع المعاناة، بل إعادة تعريف القضية الفلسطينية: من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني طويل الأمد، ومن صراع على السيادة إلى مسألة إدارة سكان.

الخطر هنا لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في النتائج المضمونة. فكل مسار يبدأ بإدارة مؤقتة، وينتهي بترتيب دائم. وكل حديث عن “المرحلية” و”الواقعية” و”عدم توافر البدائل” ليس إلا الغطاء اللغوي لتكريس نموذج غزة بلا سيادة كنقطة انطلاق لإعادة هندسة كامل المشهد الفلسطيني.

وما يزيد الطين بلة أن هذا التحول لا يمر عبر إعلان صريح، بل عبر ترتيبات تدريجية تُصاغ بلغة “الضرورة” و”التخفيف” و”الاستعجال الإنساني”.

إن ما يُسمّى «مجلس ترامب للسلام» (المجلس الذي أُطلق في إطار البيت الأبيض ويُروّج لترتيبات بديلة تُعالج “التكلفة” بدل “الاحتلال”) لا يمثل انحرافًا عابرًا في السياسة الأميركية، بل تتويجًا لمسار طويل يعتبر أن المشكلة ليست الاحتلال، بل تكلفة الاحتلال. وحين يصبح الهدف هو تقليل الكلفة لا إنهاء السبب، فإن النتيجة الطبيعية هي البحث عن ترتيبات تُبقي السيطرة وتُخفّف المسؤولية. وغزة، المحاصَرة والمنهكة والمنقسمة، تُقدَّم اليوم كالحقل التجريبي الأمثل لهذا النموذج.

والأخطر من المشروع نفسه هو التكيّف الصامت معه. فالتاريخ لا يُصفّى بالقوة وحدها، بل بالتدرّج، وبالقبول الضمني، وبالاستسلام الذي يُسمّى عقلانية. حين لا ترفض القيادة الفلسطينية علنًا، ولا تضع قيودًا واضحة، ولا تبادر سياسيًا، فإنها لا “تشتري الوقت”، بل تترك الوقت يعمل ضدها.

قد تقول القيادة الفلسطينية إنها لا تملك القدرة على المواجهة. هذا صحيح. لكنها تملك، دون شك، القدرة على المنع، على التعطيل، على رفع الكلفة، وعلى رفض أن تكون شاهد زور على تصفية قضيتها. العجز عن فرض الحل لا يبرر القبول بإلغاء الحل. والفرق بين الواقعية السياسية والانتحار السياسي هو فرق الإرادة، لا فرق القوة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو تحويل غزة إلى كيان يُدار بميزانية منفصلة، وقواعد قانونية خاصة، وترتيبات أمنية مستقلة، وعقود إعمار طويلة الأمد لا تمر عبر المرجعية الفلسطينية (الحكومة الفلسطينية والسلطة التنفيذية والهيئات الرسمية المعتمدة). هذا ليس “حلًا لغزة”، بل فصل نهائي لها. وكل من يعتقد أن هذا الفصل سيتوقف عند غزة، إما واهم أو شريك في الخداع. فالضفة الغربية تُترك في الوقت ذاته للاستيطان والضم الزاحف، فيما تُفرغ السلطة الفلسطينية من مضمونها السياسي، وتُختزل إلى وظيفة إدارية بلا سيادة ولا أفق.

الاستكانة لما تقوده الولايات المتحدة في هذه المرحلة ليست براغماتية، بل تفويض مفتوح لتصفية القضية الفلسطينية بأدوات ناعمة. واشنطن لا تبحث عن حل عادل، ولا حتى عن حل متوازن، بل عن ترتيب مستقر بأقل كلفة ممكنة عليها وعلى إسرائيل. وكلما قبل الفلسطينيون بهذا المنطق، كلما أصبحوا هم الكلفة التي يجب تقليصها.

المطلوب ليس بيانات غضب، ولا خطابات عالية السقف، بل أفعال سياسية حاسمة وواضحة. أي حديث عن إعمار يجب أن يُربط فورًا بتعريف قانوني مكتوب لوضع قطاع غزة. أي إدارة يجب أن تكون محددة زمنيًا وبآلية إنهاء واضحة. أي جهة تتولى إدارة القطاع خارج الإطار الفلسطيني يجب أن تتحمّل كامل المسؤولية القانونية والإنسانية، دون غطاء فلسطيني، ودون شراكة شكلية تُستخدم لاحقًا لتحميل الفلسطينيين ثمن الفشل.

كما يجب القول بوضوح: العقود التي تُبرم خارج المرجعية الفلسطينية لن تكون ملزمة في المستقبل. ليس انتقامًا، بل دفاعًا عن فكرة الدولة. فالإعمار الذي يُبنى فوق إنكار السيادة لا يُعيد الحياة، بل يرسّخ الهزيمة.

أما داخليًا، فإن أخطر ما يمكن السماح به هو نشوء شرعيات بديلة تُدار باسم “الواقع”. كل تجاوز للمرجعية الوطنية يفتح الباب لانهيار ما تبقى من النظام السياسي الفلسطيني. والانقسام، مهما كان عميقًا، لا يمنح أحدًا حق إعادة تعريف التمثيل الفلسطيني أو القفز فوقه. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في التفكيك.

إن الزمن، الذي يراهن عليه البعض لتجاوز هذه المرحلة، ليس محايدًا. الزمن إمّا أن يُدار، أو يتحول إلى أداة سحق بطيئة. وكل يوم يمر دون ضبط قانوني وإجرائي لما يُحضَّر لغزة، يقربنا خطوة إضافية من واقع لن تنفع معه بيانات الندم ولا خطابات “لو كنا نعلم”.

هذه ليست لحظة عادية، ولا واحدة من محطات الفشل المتكرر. هذه لحظة إعادة تعريف نهائي. غزة بلا سيادة اليوم تعني فلسطين بلا دولة غدًا. ومن يظن أن التاريخ سيعفي الصامتين، لم يقرأ تاريخ هذه القضية.

السؤال لم يعد: هل نملك القدرة على الانتصار؟

السؤال الحقيقي هو: هل نملك الإرادة لمنع الهزيمة قبل أن تُصبح أمرًا واقعًا؟

من التشخيص إلى الخطة: خطوات التحرك الحاسمة للسلطة الفلسطينية

إذا كانت هذه القراءة دقيقة، فإن السلطة الفلسطينية لا تملك رفاهية “المراقبة” أو “الانتظار”. المطلوب خطة تحرك فورية لمنع تثبيت نموذج غزة بلا سيادة، وهي كالتالي:

  • قبول مشروط بالإعمار والاستقرار
  • السلطة لا ترفض الإعمار، لكنها ترفض أن يُحوَّل إلى بديل عن السيادة.
    القبول يكون فقط ضمن شروط واضحة:
    • تعريف قانوني مكتوب لوضع غزة،
    • تحديد جهة الإدارة والمسؤوليات،
    • إطار زمني لإنهاء أي إدارة مؤقتة.
  • تثبيت خطوط حمراء غير قابلة للتجاوز

دون أن تُعلن مواجهة، يجب أن تُثبت السلطة:• عدم قبول إدارة دائمة أو مفتوحة زمنيًا خارج السيادة الفلسطينية.• رفض الميزانيات أو الأنظمة المالية المستقلة.• رفض أي عقود إعمار أو استثمار لا تمر عبر الحكومة الفلسطينية.• رفض استخدام السلطة كغطاء قانوني.

  • منع التعاون الإداري والمالي غير الشرعي

• إيقاف أي تعامل رسمي مع مشاريع أو جهات تعمل خارج الحكومة.• عدم قبول تمويل يذهب مباشرة إلى غزة دون المرور عبر الأطر المعتمدة.

  • تفعيل الوقاية القانونية

إرسال مذكرات قانونية للأمم المتحدة والمانحين تؤكد أن:• أي إدارة خارج السيادة الفلسطينية تحمل مسؤولية قانونية دولية.• أي عقود خارج الإطار الفلسطيني غير ملزمة مستقبلًا.

  • الحفاظ على وحدة النظام الفلسطيني

منع الفصل البنيوي عبر:• موازنة واحدة،• سجل مدني موحد،• نظام قانوني ومالي موحد.

  • إدارة العلاقة مع واشنطن بمنطق الكلفة لا الصدام

السلطة ليست خصمًا، لكنها خيار أقل كلفة.يجب أن تُرسل رسالة واضحة: تجاوز السلطة لا يسرّع الحل، بل يجعل غزة عبئًا أميركيًا طويل الأمد.

  • منع نشوء شرعيات بديلة داخل غزة

عدم الاعتراف بأي هياكل انتقالية أو “إدارة محلية” خارج الإطار الوطني.الانقسام ليس مبررًا لتجاوز المرجعية الفلسطينية.

  • إدارة الزمن كأداة ضغط

السلطة لا تتسرع في الانخراط الكامل إذا لم تتوفر شروط السيادة، وتُبقي الباب مفتوحًا لرفع الكلفة على الأطراف المتجاوزة مع مرور الوقت.

إذا لم تُتخذ هذه الخطوات الآن، فغزة ستصبح النموذج الذي تُبنى عليه “فلسطين بلا دولة”.وهذا ليس تحذيرًا بل واقع يوشك أن يُفرض.

السؤال ليس: هل نستطيع الانتصار؟السؤال: هل لدينا الإرادة لمنع الهزيمة قبل أن تتحول إلى واقع؟