العنصرية الإسرائيلية وإقصاء الفلسطينيين العرب: من «شبكة الأمان» في عهد رابين إلى معضلة الشراكة السياسية
المحامي علي أبوحبلة
العنصرية الإسرائيلية وإقصاء الفلسطينيين العرب: من «شبكة الأمان» في عهد رابين إلى معضلة الشراكة السياسية
المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
لا يمكن فهم موقع الفلسطينيين العرب داخل إسرائيل من خلال نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد البرلمانية وحدهما، بل ينبغي النظر إلى طبيعة النظام السياسي، وحدود المساواة في المواطنة، ومدى استعداد الأحزاب الإسرائيلية للاعتراف بالعرب شركاء في صنع القرار. فالمعضلة الأساسية لا تتعلق بحق المواطنين العرب في التصويت والترشح فحسب، وإنما بالفجوة بين المشاركة الانتخابية من جهة، والقدرة الفعلية على التأثير في السياسات العامة من جهة أخرى.
لقد كشفت التجربة التاريخية أن الأحزاب العربية تستطيع، في ظروف معينة، أن تصبح رقماً حاسماً في تشكيل الحكومات الإسرائيلية أو استمرارها، لكن هذا الوزن البرلماني لا يتحول بالضرورة إلى شراكة سياسية كاملة. ومن هنا تبرز تجربة حكومة إسحاق رابين عام 1992 بوصفها محطة مهمة لفهم حدود المشاركة العربية، والتناقض بين الحسابات البرلمانية والاعتبارات القومية والأيديولوجية التي تحكم السياسة الإسرائيلية.
تجربة رابين: تأثير برلماني دون شراكة كاملة
أفرزت انتخابات الكنيست عام 1992 فوز حزب العمل بقيادة إسحاق رابين بـ44 مقعداً، وحصول ميرتس على 12 مقعداً، فيما تشكلت الحكومة بدعم أحزاب أخرى، من بينها شاس، لتستند إلى قاعدة برلمانية بلغت 62 مقعداً. وفي الوقت نفسه، حظيت الحكومة بدعم نواب عرب من خارج الائتلاف، قبل أن تؤدي التحولات اللاحقة، ومنها خروج شاس من الحكومة، إلى زيادة أهمية هذا الدعم في استمرارها. وقد ارتبطت هذه المرحلة بإطلاق مسار أوسلو، الذي فتح الباب أمام تحولات سياسية مهمة في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية. (وزارة الخارجية الأميركية، مكتب المؤرخ).
لم يكن الدور العربي مجرد تفصيل عددي؛ فقد مثّل محاولة لاستخدام القوة البرلمانية لتحقيق مطالب مدنية تتعلق بتطوير البلدات العربية، وتحسين توزيع الموارد، وتقليص الفجوات في الخدمات والبنية التحتية. وأشارت دراسات تاريخية إلى أن حكومة رابين اتخذت خطوات لزيادة المخصصات الموجهة إلى البلدات العربية وتحسين أوضاع المواطنين العرب، بالتوازي مع اعتمادها على دعم النواب العرب في البرلمان.
لكن التجربة كشفت، في المقابل، عن حدود واضحة: دعم الحكومة من الخارج لا يعني امتلاك أدوات القرار داخلها، ولا يضمن استمرار التفاهمات إذا تبدلت الظروف السياسية أو تغيرت أولويات الأحزاب الإسرائيلية. وهكذا، بقي التأثير العربي مرتبطاً بميزان القوى وبمدى استعداد القيادة الإسرائيلية لقبول هذا التأثير، لا بحق سياسي مستقر في الشراكة.
التمييز البنيوي بين المواطنة والمساواة
إن توصيف التمييز ضد الفلسطينيين العرب لا ينبغي أن يقوم على الشعارات وحدها، بل على فحص التشريعات والسياسات والنتائج العملية في مجالات الأرض والتخطيط والإسكان والتعليم والميزانيات والتمثيل السياسي.
ويكتسب قانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي، الذي أقره الكنيست عام 2018، أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ ينص على أن حق تقرير المصير القومي في الدولة يخص الشعب اليهودي وحده، ويمنح الاستيطان اليهودي قيمة وطنية، من دون أن يتضمن ضمانة صريحة للمساواة بين جميع المواطنين. وقد أثار القانون انتقادات حقوقية واسعة بسبب ما اعتُبر آثاراً تمييزية على المواطنين العرب، فيما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الطعون المقدمة ضده عام 2021 بأغلبية عشرة قضاة مقابل قاضٍ واحد معارض. (معهد الديمقراطية الإسرائيلي؛ عدالة).
وتكمن الإشكالية هنا في التوتر بين المواطنة الفردية المتساوية، من حيث المبدأ، وبين تعريف الدولة لهويتها القومية على نحو يمنح امتيازاً دستورياً لجماعة قومية دون غيرها. فالمساواة لا تُقاس بمجرد السماح للمواطن بالمشاركة في الانتخابات، وإنما بقدرته على التمتع بالحقوق نفسها، والوصول العادل إلى الموارد، والتأثير في السياسات التي تمس حياته ومستقبله.
ومع ذلك، فإن التقييم القانوني الدقيق يقتضي التمييز بين النصوص التشريعية، وتطبيقاتها، والأحكام القضائية ذات الصلة؛ فلا يصح اعتبار كل تفاوت دليلاً مستقلاً على التمييز غير المشروع، كما لا يجوز تجاهل الأنماط المتكررة إذا أظهرت فجوات مستمرة تستدعي المساءلة والمعالجة.
لماذا لم تتحول «شبكة الأمان» إلى نموذج مستقر؟
تُظهر تجربة رابين أن الحساب البرلماني قد يفرض على القيادة الإسرائيلية الاستعانة بالأحزاب العربية، لكنه لا يكفي وحده لتغيير الثقافة السياسية السائدة. فهناك فرق جوهري بين قبول أصوات النواب العرب لضمان تمرير الموازنة أو منع سقوط الحكومة، وبين الاعتراف بهم شركاء متكافئين في تحديد الأولويات الوطنية وصياغة السياسات.
وقد ساهم الاستقطاب القومي والصراع حول اتفاقات أوسلو في جعل الاعتماد على الأصوات العربية مادة للتجاذب السياسي. كما أن اغتيال رابين عام 1995 مثّل نقطة تحول خطيرة في مسار التسوية، وإن كان اختزال تعثر الشراكة العربية في هذا الحدث وحده يتجاهل عوامل أخرى، منها صعود اليمين، وتغير التحالفات، وتراجع الثقة بمسار السلام.
والأدق أن التجربة لم تفشل لأن المشاركة العربية غير ممكنة برلمانياً، بل لأنها لم تتحول إلى قاعدة سياسية ومؤسسية مستقرة تحمي حقوق المواطنين العرب بصرف النظر عن هوية الحكومة أو مصالح الأحزاب.
بين الوزن الانتخابي وشرعية الشراكة
إن مستقبل الأحزاب العربية داخل إسرائيل يتطلب تجاوز الاكتفاء بدور «بيضة القبان»، والانتقال إلى برنامج سياسي واضح يربط دعم أي حكومة بالتزامات قابلة للقياس، تشمل المساواة في الميزانيات، ومكافحة الجريمة، وتطوير البنية التحتية، وحماية الأرض والمسكن، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية، ومناهضة التمييز في التشريع والتطبيق.
ولا بد أن تكون هذه المطالب معلنة وقابلة للمراجعة والمساءلة، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي للأحزاب العربية، وعدم اختزال دورها في دعم حكومة بعينها أو منحها غطاءً سياسياً دون مقابل ملموس.
كما أن مواجهة التمييز لا تتحقق بالخطاب الاحتجاجي وحده، بل تحتاج إلى توثيق مهني للفجوات، واستخدام المسارات القضائية المتاحة، وتعزيز العمل البرلماني والمدني، والاستفادة من آليات حقوق الإنسان الدولية وفق قواعدها القانونية.
الخلاصة
إن اختبار الديمقراطية لا يكمن فقط في إجراء انتخابات منتظمة، بل في مدى قدرتها على حماية حقوق الأقلية، وضمان المساواة، ومنع تحول الهوية القومية إلى معيار لتوزيع الحقوق والفرص.
وتبقى تجربة رابين دليلاً على أن الأحزاب العربية تستطيع التأثير في ميزان القوى الإسرائيلي، لكنها تكشف أيضاً أن هذا التأثير يظل محدوداً ما لم يتحول إلى شراكة سياسية قائمة على حقوق واضحة والتزامات قابلة للمحاسبة.
إن جوهر القضية ليس مطالبة الفلسطينيين العرب بالتخلي عن هويتهم الوطنية كي يصبحوا مقبولين سياسياً، ولا افتراض أن كل تحالف انتخابي يحقق المساواة تلقائياً؛ بل بناء معادلة ديمقراطية تضمن المواطنة المتساوية، وتحترم الحقوق الفردية والجماعية، وتضع حداً للفجوة بين المشاركة الشكلية والتأثير الفعلي.
فالدولة التي تطمح إلى ترسيخ ديمقراطيتها لا تُختبر بمدى قبولها أصوات الأقلية عند الحاجة، وإنما بمدى استعدادها للاعتراف بحقوقها وشراكتها حتى عندما تتعارض هذه الحقوق مع الحسابات الانتخابية للأغلبية.
المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي



