حين تصبح الخليل ورقة انتخابية: نتنياهو يصعّد والفلسطينيون يدفعون الثمن
لم تعد الأحداث التي تشهدها مدينة الخليل، وتحديدًا في أحياء الجلدة وشعب الملح وعين دير بحة وفرش الهوى، مجرد تطورات أمنية محلية يمكن فصلها عن المشهد السياسي الإسرائيلي. فالتصعيد العسكري الذي تشهده المدينة يأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية بأيام قليلة، في وقت يحتل فيه الملف الأمني موقعًا مركزيًا في المنافسة على رئاسة الحكومة، ويواجه فيه بنيامين نتنياهو أسئلة سياسية تتعلق بأداء حكومته وقدرتها على توفير الأمن للإسرائيليين.
من هنا، فإن ما يجري في الخليل يطرح سؤالًا يتجاوز حدود المدينة: هل أصبحت المعاناة الفلسطينية جزءًا من الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، وهل يُراد من التصعيد الميداني تقديم نتنياهو وحلفائه باعتبارهم الأكثر تشددًا وقدرة على فرض الأمن؟
لم يأتِ هذا السؤال من فراغ. فقد أعقبت عملية إطلاق النار قرب الخليل، التي قُتل فيها جنديان إسرائيليان، تصريحات لنتنياهو خلال زيارته موقع الحادث، توعّد فيها بتوسيع العملية العسكرية، وإخلاء السكان، وتفتيش المنازل، وتدمير ما وصفه بالبنية التحتية المسلحة. كما لوّح بتوسيع العمليات إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، وتزامنت هذه التصريحات مع هدم مبانٍ فلسطينية في فرش الهوى، وإجبار عائلات على إخلاء منازلها في الجلدة ودير بحة، وفق التقارير المنشورة.
واللافت أن نتنياهو نفسه ربط في تصريحاته بين الهجوم ومحاولات استهداف الإسرائيليين والجنود قبيل الانتخابات. وهذا الربط يمنح التطورات في الخليل بعدًا انتخابيًا واضحًا؛ إذ لم تعد القضية مقتصرة على الإجراءات العسكرية، بل أصبحت جزءًا من خطاب سياسي يركز على الأمن والردع، ويقدم التشدد العسكري باعتباره دليلًا على الحزم والقدرة على القيادة.
هنا تكمن نقطة الالتقاء المباشرة بين الخليل وصناديق الاقتراع الإسرائيلية. فنتنياهو يخوض معركة سياسية لا تتعلق فقط بتشكيل الحكومة المقبلة، وإنما أيضًا بإقناع الناخبين بأنه القادر على مواجهة التهديدات الأمنية. وفي مثل هذه الأجواء، تصبح العمليات العسكرية والتصريحات المتشددة والوعود بتوسيع السيطرة على الأرض عناصر حاضرة في النقاش الانتخابي، بصرف النظر عن اختلاف دوافع كل قرار ميداني.
ولا يعني ذلك أن التصعيد اختُلق لأغراض انتخابية، أو أن دوافعه الأمنية غير موجودة. فالهجوم الذي قُتل فيه الجنديان حدث فعلي، ومن الطبيعي أن يخضع المسؤولون عنه للملاحقة. لكن وجود حدث أمني لا يبرر تلقائيًا جميع الإجراءات التي تتخذهـا السلطات الإسرائيلية، ولا يعفيها من التزاماتها تجاه السكان المدنيين. فثمة فرق جوهري بين ملاحقة المشتبه في تورطهم في الهجوم، وبين توسيع نطاق العقوبات والإجراءات لتطال عائلات وأحياء كاملة، بما يشمل إخلاء المنازل وهدم المباني وتقييد حركة المواطنين.
وتزداد دلالة المشهد عندما يعلن مسؤولون إسرائيليون عن إجراءات تستهدف فرض أثمان ميدانية على الفلسطينيين، في الوقت الذي تتنافس فيه القوى السياسية على إظهار قدرتها على الرد بقوة. فقد أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، بالتزامن مع عمليات الهدم في فرش الهوى، عن إجراءات قال إنها تهدف إلى الردع وجعل ثمن الهجوم مؤلمًا. ومثل هذه التصريحات تستدعي مساءلة جدية بشأن حدود الإجراءات الأمنية، ومدى توافقها مع حظر العقاب الجماعي وحماية المدنيين بموجب القانون الدولي.
إن المشكلة لا تكمن فقط في توقيت التصعيد، بل في الرسائل السياسية التي يحملها. فعندما يتعهد رئيس الحكومة بتوسيع العمليات العسكرية، ويتحدث عن إخلاء السكان وتدمير المباني، ويؤكد في الوقت ذاته دعمه للمستوطنين وتوسيع البنية الاستيطانية، فإن الفلسطينيين يجدون أنفسهم أمام مسار قد يتجاوز الاستجابة الأمنية المباشرة إلى تكريس مزيد من السيطرة على الأرض.
وبذلك، تتحول الخليل إلى ميدان لاختبار الخطاب الانتخابي الإسرائيلي على أرض الواقع. فهل يقتصر الأمر على عملية عسكرية محددة تنتهي بانتهاء أهدافها المعلنة، أم يصبح مدخلًا لفرض إجراءات أوسع في الضفة الغربية؟ وهل ستظل الإغلاقات والإخلاءات والهدم تدابير مؤقتة، أم ستترك آثارًا دائمة على حياة السكان وحقهم في البقاء في منازلهم ومناطقهم؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الانتخابات الإسرائيلية لا تجري في فراغ. فالسياسات المتعلقة بالضفة الغربية، والاستيطان، وحرية الحركة، والسلطة الفلسطينية، تشكل جزءًا من التنافس بين الأحزاب والتيارات الإسرائيلية. وبينما يسعى نتنياهو وحلفاؤه إلى تأكيد قدرتهم على الرد العسكري، لا يعني وصول حكومة بديلة بالضرورة حدوث تحول جذري في هذه السياسات. فالمعيار الحقيقي لأي تغيير سياسي هو ما سيحدث على الأرض، لا الشعارات التي تُرفع خلال الحملات الانتخابية.
وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى أحياء الخليل باعتبارها مجرد مناطق يجري فيها تنفيذ عملية عسكرية. فالجلدة وشعب الملح وعين دير بحة وفرش الهوى تضم عائلات وأطفالًا وأصحاب أعمال، وتؤثر الإغلاقات والهدم والإخلاء في تفاصيل حياتهم اليومية، من السكن والعمل والتعليم إلى الوصول إلى الخدمات الأساسية. وكلما اتسعت الإجراءات، ازدادت مخاطر تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وتعمقت حالة عدم الاستقرار في المدينة ومحيطها.
والأخطر أن يدفع الفلسطينيون ثمن منافسة سياسية لا يملكون المشاركة في حسمها. فالناخب الإسرائيلي يتوجه إلى صندوق الاقتراع ليختار حكومته، بينما يواجه الفلسطيني في الخليل نتائج القرارات التي تتخذها تلك الحكومة على أرضه، من دون أن يكون له صوت في تحديد مسارها. وهذه المفارقة تكشف جانبًا جوهريًا من اختلال موازين القوة في ظل الاحتلال، حيث تتداخل الحسابات السياسية الإسرائيلية مع حياة الفلسطينيين وحقوقهم الأساسية.
لذلك، فإن المطلوب فلسطينيًا هو التعامل مع ما يجري بوصفه قضية وطنية تتجاوز حدود الخليل. ويتطلب ذلك توثيق عمليات الهدم والإخلاء والإغلاق، وتقديم المساندة القانونية والإنسانية للعائلات المتضررة، وتوحيد الجهد السياسي والدبلوماسي لمنع تحول الإجراءات الراهنة إلى وقائع دائمة. كما ينبغي أن يبقى مستقبل الضفة الغربية وحقوق الفلسطينيين في صلب أي نقاش دولي بشأن الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها.
أما المجتمع الدولي، فهو أمام اختبار حقيقي لمسؤوليته تجاه الشعب الفلسطيني. فالأحداث في الخليل تستدعي تحركًا عاجلًا من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، من أجل حماية المدنيين، ومتابعة عمليات الإخلاء والهدم، والعمل على وقف الإجراءات التي تهدد أمن السكان وحقهم في البقاء في منازلهم. ولا تكفي بيانات القلق والإدانة ما لم تقترن بخطوات عملية ومساءلة عن الانتهاكات وفق القانون الدولي.
في المحصلة، تكشف الخليل أن الانتخابات الإسرائيلية ليست شأنًا داخليًا محضًا، لأن نتائج السياسات التي تتنافس الأحزاب على تبنيها تمتد إلى حياة الفلسطينيين وأرضهم ومستقبلهم. وإذا كان الأمن يشكل ورقة أساسية في الصراع على السلطة داخل إسرائيل، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه المرشحين والمجتمع الدولي معًا هو: من يضمن ألا يتحول هذا التنافس إلى مبرر لمزيد من المعاناة الفلسطينية؟
الخليل اليوم ليست مجرد ساحة للتصعيد، بل مرآة تكشف الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون عندما تتقاطع الحسابات الانتخابية مع سياسات الاحتلال. ولن يكون المعيار الحقيقي لنتائج الانتخابات اسم الفائز أو شكل الائتلاف الحكومي، بل ما إذا كانت هذه المرحلة ستشهد وقفًا للهدم والإخلاء والعقاب الجماعي، واحترامًا لحقوق الفلسطينيين، وخطوات فعلية تنهي الاحتلال وتفتح الطريق أمام الحرية وتقرير المصير والاستقلال.



