عرفات مازال القلب في بيروت
*مقال وجداني يتحدث عن البعد التاريخي والإنساني للرمز ياسر عرفات .. أربع وأربعون عاما على الرحيل .. وما زال القلب في بيروت*
عرفات مازال القلب في بيروت
*مقال وجداني يتحدث عن البعد التاريخي والإنساني للرمز ياسر عرفات .. أربع وأربعون عاما على الرحيل .. وما زال القلب في بيروت*
أبو شريف رباح
30/8/2026
قاتل وحوصر، وتعرض لعدد من محاولات الاغتيال وصمد في أصعب الظروف، وحمل مسؤولية المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين وقاد المقاتلين في القوات المشتركة اللبنانية والفلسطينية في واحدة من أعظم ملاحم الصمود في التاريخ دفاعاً عن كرامة الأمة العربية والإسلامية في مواجهة أقوى جيوش المنطقة جيش الاحتلال الإسرائيلي.
إنه الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات "أبو عمار" الذي كان في الثلاثون من شهر آب ذكرى خروجه الرابعة والأربعون مع رجاله ومقاتلي الثورة الفلسطينية من بيروت رافعين البنادق والأعلام اللبنانية والفلسطينية في مشهد لم يكن مجرد خروج مقاتلين من مدينة بل كان خروجاً من قلب معركة تركت في الذاكرة العربية والفلسطينية واحدة من أكثر صفحات التاريخ وجعا وفخرا، وقبل أن يغادر بيروت سأله الصحفيون، إلى أين يا أبا عمار؟ فأجابهم بكلماته التي بقيت حاضرة في الذاكرة إلى فلسطين لكن قلبي سيبقى في بيروت.
وكانت بيروت يومها تودّع رجالا قاتلوا على أرضها ودافعوا عنها كما دافعوا عن فلسطين وأمام الجماهير اللبنانية والفلسطينية التي احتشدت لتوديعهم وقف أبو عمار بكبريائه المتواضع وقال ما يختصر علاقة الوفاء التي نشأت بينه وبين أبناء الشعبين اللبناني والفلسطيني، نركع أمام كل رجل وامرأة وطفل لبناني وفلسطيني لأنهم قدموا لنا الغالي والنفيس، ونركع لهؤلاء الأبطال الذين أعطوني شرف القتال الى جانبهم فصنعنا معا ملحمة صمود بيروت.
ثلاثة أشهر من الحصار والقصف الجوي والبحري والبري، لم تستطع خلالها قوات الاحتلال أن تحقق ما أرادته بسهولة، كانت بيروت تقاوم وكانت القوات المشتركة اللبنانية والفلسطينية تخوض معركة شرسة فيما كان الاحتلال وهو يتقدم ببطء شديد كانت قواته تتكبد خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
حتى مجرم الحرب أرييل شارون الذي قاد جيش الاحتلال في تلك الحرب لم يتمكن من دخول بيروت بالطريقة التي أرادها، بعدما اصطدم بصمود المقاتلين على أبوابها ولم يدخل جيش الاحتلال إلى بيروت إلا بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من المدينة في إطار الاتفاق الذي حمله المبعوث الأميركي "فيليب حبيب" والذي وافقت عليه القيادتان الفلسطينية واللبنانية بهدف فك الحصار وإنقاذ بيروت وأهلها من المزيد من الدمار وسفك الدماء.
كان القرار صعبا وقاسيا على مقاتلي الثورة الفلسطينية الذين جعلوا من بيروت عاصمة لكفاحهم المسلح لكن أبو عمار ورفاقه اختاروا الخروج حفاظا على بيروت وأهلها بعدما أدوا ما عليهم في معركة الصمود وتركوا خلفهم مدينة أحبّوها وأحبتهم، وبعد أربعة وأربعين عاما فإن أبو عمار لم يغادر بيروت فعليا فما زالت صورته تزين الشوارع والجدران في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، وفي قلوب اللبنانيين والفلسطينيين الذين لم ينسوا رجلا قال يوم رحيله إن قلبه سيبقى في بيروت.
وصدق أبو عمار، خرج من بيروت على متن الباخرة، لكنه عاد إلى فلسطين، عاد من بوابة السلام حاملا حلم إقامة الدولة الفلسطينية ورفع العلم الفلسطيني فوق أرض فلسطين وبدأ مسيرة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية أملاً في الوصول إلى الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة قضية اللاجئين وفق القرارات الدولية، لكن إسرائيل لم تكن مستعدة للسلام الذي ينهي الاحتلال ويعيد الحقوق إلى أصحابها.
وتعاقبت الحكومات الإسرائيلية اليمينية والمتطرفة وتراكمت سياسات الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي، حتى جرى إجهاض اتفاق السلام وتقويض فرص حل الدولتين لتبقى الدولة الفلسطينية المستقلة حلما مؤجلا ويبقى شعبنا الفلسطيني يدفع ثمن الاحتلال والصمت الدولي على جرائم إسرائيل، رحل أبو عمار شهيداً، لكنه ترك وراءه إرثاً لا يمكن اختزاله في بندقية أو اتفاق أو منصب ترك قضية وترك شعبا وترك ذاكرة لا تموت.
وبعد أربعة وأربعين عاماً على خروجه من بيروت ما زال صوته حاضراً وما زالت صورته مرفوعة وما زالت كلمته الأولى والأخيرة تختصر الحكاية كلها "إلى فلسطين"، أما بيروت التي قال إن قلبه سيبقى فيها، فما زال قلبه فيها فعلا في ذاكرة أهلها وفي وجدان الفلسطينيين واللبنانيين وفي كل بيت ومخيم وجدار يحمل صورته، فسلام عليك يا أبا عمار يوم خرجت من بيروت مقاتلا .. وسلام عليك يوم عدت إلى فلسطين قائدا .. وسلام عليك يوم ارتقيت شهيداً .. وسلام عليك ما بقيت فلسطين تنادي أبناءها .. وما بقي فينا قلب ينبض بحبها ..



