حين تصبح العلاقات الشخصية طريقاً إلى النفوذ… أين تقف حدود النزاهة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
حين تصبح العلاقات الشخصية طريقاً إلى النفوذ… أين تقف حدود النزاهة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست العلاقات الاجتماعية في حد ذاتها أمراً مستنكراً، ولا التواصل مع المسؤولين أو أصحاب القرار دليلاً على مخالفة أو تجاوز. فالمجتمع بطبيعته يقوم على التواصل، والزيارات، واللقاءات، وتبادل الرأي، ومن الطبيعي أن تكون هناك علاقات عامة ومهنية وشخصية بين مختلف مكونات المجتمع.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول العلاقات الشخصية من وسيلة للتواصل إلى وسيلة للتأثير، أو عندما يصبح التودد المتكرر، والزيارات، والمجاملات، والحضور الدائم في مجالس أصحاب القرار، مدخلاً محتملاً للحصول على معاملة خاصة أو امتياز لا يتاح للآخرين.
وهنا تبرز الحاجة إلى التدقيق والتمحيص، ليس بقصد التشكيك في النيات أو إطلاق الأحكام، وإنما حمايةً للنزاهة والشفافية، وصوناً لثقة المواطن بالمؤسسات.
فالخط الفاصل بين العلاقة الاجتماعية الطبيعية وبين تضارب المصالح قد يكون دقيقاً. وما قد يبدو للناس مجرد علاقة شخصية قد يثير، في بعض الحالات، تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية القرار، خصوصاً عندما تتقاطع العلاقات مع مصالح أو معاملات أو قرارات عامة.
ولهذا فإن الأصل في إدارة الشأن العام أن تكون المؤسسة أقوى من العلاقة، والقانون أقوى من المعرفة الشخصية، والاستحقاق أقوى من المجاملة.
إن بناء العلاقات مع المسؤولين ليس جريمة ولا مخالفة في ذاته، لكن الخطر يكمن في أن تتحول هذه العلاقات إلى شبكة غير معلنة من التأثير المتبادل، بحيث يصبح الوصول إلى صاحب القرار أسهل لمن يمتلك شبكة علاقات، بينما يجد المواطن العادي نفسه مضطراً إلى الوقوف خارج هذه الدائرة.
وهنا لا تتعلق المسألة بشخص بعينه، وإنما بثقافة إدارية ومجتمعية ينبغي الانتباه إليها قبل أن تتحول إلى ظاهرة.
ومن المهم كذلك ألا يتحول الحديث عن العلاقات إلى اتهام مسبق. فليس كل من زار مسؤولاً يسعى إلى منفعة، وليس كل من أشاد بمسؤول يمارس التملق، وليس كل علاقة شخصية تعني وجود مصلحة متبادلة. النيات لا تُحاكم بالانطباعات، والوقائع لا تُبنى على الظنون.
لكن في المقابل، فإن الشفافية تقتضي ألا تُترك المسائل التي يمكن أن تؤثر في القرار العام بلا تدقيق، خصوصاً عندما تتكرر اللقاءات والعلاقات في سياقات ترتبط بمصالح عامة أو قرارات إدارية أو فرص أو امتيازات.
ومن هنا تأتي أهمية الإفصاح والوضوح والفصل بين العلاقة الخاصة والمسؤولية العامة. فالمسؤول الذي يدرك حساسية موقعه يستطيع أن يحمي نفسه ومؤسسته من الشبهات، كما يستطيع صاحب العلاقة أن يحمي سمعته ومصداقيته عندما تكون معاملاته واضحة وقابلة للتفسير.
إن النزاهة ليست فقط في الامتناع عن ارتكاب المخالفة، وإنما أيضاً في تجنب الظروف التي قد تخلق انطباعاً معقولاً بوجود محاباة أو تضارب في المصالح. وهذا مبدأ تؤكده قواعد الحوكمة ومدونات السلوك التي تنظم تضارب المصالح، وتدعو إلى التجرد والموضوعية والإفصاح عند وجود حالة قد تؤثر في القرار.
ولعل الأخطر من ذلك أن تتضرر سمعة أشخاص آخرين نتيجة علاقات أو ترتيبات لا يعرفون حقيقتها، أو أن يشعر أصحاب الكفاءة والاستحقاق بأن الطريق إلى الفرص العامة لا يمر عبر الكفاءة وحدها، وإنما عبر القدرة على نسج العلاقات.
وهنا يصبح الأمر أكبر من مجرد علاقة شخصية؛ إذ يتعلق بثقة المجتمع في العدالة وتكافؤ الفرص.
لذلك، فإن المطلوب ليس قطع العلاقات بين المسؤولين والمجتمع، ولا تحويل المجتمع إلى جزر معزولة، وإنما وضع معيار واضح: العلاقة مرحب بها ما دامت لا تؤثر في القرار، ولا تمنح أفضلية غير مستحقة، ولا تنتقص من حق الآخرين.
إن المسؤول النزيه لا يخشى التدقيق، والكاتب المهني لا يخشى التحقق، والمواطن الواعي لا يطلق الأحكام قبل معرفة الوقائع.
وفي زمن تتسع فيه وسائل التواصل الاجتماعي وتتداخل فيه العلاقات العامة بالشخصية، تصبح الحاجة أكبر إلى ثقافة تقوم على الشفافية، والتحقق، والإفصاح، وتكافؤ الفرص، واحترام السمعة والخصوصية.
فالغاية ليست التشهير بأحد، ولا محاكمة النيات، وإنما حماية الجميع: حماية المسؤول من الشبهات، وحماية المواطن من التمييز، وحماية أصحاب الكفاءة من التهميش، وحماية المؤسسة من أن تتحول العلاقات الشخصية فيها إلى بديل عن القواعد.
وفي النهاية، فإن أفضل العلاقات مع أصحاب القرار هي تلك التي لا تحتاج إلى أبواب خلفية، ولا إلى مجاملات خاصة، ولا إلى مصالح متبادلة؛ لأن صاحبها يستطيع دائماً أن يقف أمام الجميع ويقول: ما حصل تم وفق الأصول، وما تحقق كان بالاستحقاق، وما اتخذ من قرار يمكن تفسيره بشفافية.
وهذه هي النزاهة التي لا تحمي المسؤول وحده، وإنما تحمي المجتمع بأسره.



