المعرفة بوصفها تحررًا
المقال الرابع من سلسلة: متى تتحول المعرفة إلى عبء
المعرفة بوصفها تحررًا
المقال الرابع من سلسلة: متى تتحول المعرفة إلى عبء
محمد قاروط أبو رحمه
إذا كانت المعرفة قد أصبحت في بعض الأحيان مصدرًا للقلق أو الحيرة أو العبء، فإن من الخطأ أن نبدأ من هذه النتيجة دون العودة إلى أصل المسألة. فالمعرفة لم تكتسب مكانتها المركزية في التجربة الإنسانية مصادفة، ولم تحتل هذا الموقع المتقدم في تاريخ الحضارات لأنها كانت عبئًا، بل لأنها كانت على الدوام أداة تحرر. ولذلك فإن أي محاولة لفهم متى تتحول المعرفة إلى عبء يجب أن تبدأ أولًا بفهم لماذا كانت المعرفة في أصلها قوة تحرير.
لقد بدأ الإنسان رحلته في العالم وهو محدود القدرة، ضعيف الوسائل، قليل الحيلة أمام قوى الطبيعة الهائلة. لم يكن يملك المخالب التي تملكها الحيوانات المفترسة، ولا السرعة التي تملكها الكائنات الأخرى، ولا القوة الجسدية التي تؤهله للسيطرة على بيئته. ومع ذلك استطاع أن يصبح الكائن الأكثر تأثيرًا على سطح الأرض. ولم يكن سر ذلك في قوته العضلية، بل في قدرته على المعرفة.
فالمعرفة هي التي مكنت الإنسان من تجاوز حدود جسده. ومن خلالها استطاع أن يرى أبعد مما تسمح به عيناه، وأن يسمع أبعد مما تسمح به أذناه، وأن يفعل ما يتجاوز حدود قوته الطبيعية. لقد عوض الإنسان نقصه البيولوجي بوفرة معرفية متزايدة، وجعل من العقل أداة لتوسيع قدراته إلى ما لا نهاية تقريبًا.
غير أن قيمة المعرفة لا تكمن فقط في قدرتها على زيادة الإمكانات، بل في قدرتها على توسيع الفهم. فالإنسان لا يعيش في الواقع كما هو، بل يعيش في صورة الواقع التي تتشكل داخل عقله. وكلما ازدادت معرفته، ازدادت قدرته على تفسير ما يراه وفهم العلاقات الخفية بين الأشياء والأحداث. والمعرفة بهذا المعنى ليست إضافة كمية إلى العقل، بل إعادة تشكيل جذرية للطريقة التي يرى بها الإنسان العالم.
ولهذا السبب كانت المعرفة دائمًا طريقًا للخروج من أسر الجهل. فالجاهل لا يعاني فقط من نقص المعلومات، بل يعاني من ضيق الخيارات. إنه يتحرك داخل عالم محدود رسمته حدود ما يعرفه. أما الإنسان الذي يمتلك معرفة أوسع، فإنه يمتلك في الوقت نفسه قدرة أكبر على رؤية البدائل والاحتمالات والفرص.
ومن هنا تنشأ العلاقة العميقة بين المعرفة والاختيار. فالاختيار لا يبدأ عند لحظة القرار، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عند القدرة على رؤية الخيارات الممكنة. وكلما اتسعت المعرفة، اتسعت مساحة البدائل التي يستطيع الإنسان أن يتخيلها ويقارن بينها. ولذلك فإن المعرفة لا تمنح الإنسان إجابات جاهزة بقدر ما تمنحه قدرة أكبر على الاختيار الواعي.
لكن خصوصية الإنسان لا تتمثل فقط في الاختيار بين خيارات قائمة، بل في القدرة على إنتاج خيارات جديدة. فالإنسان لا يكتفي بأن يسأل: أي طريق أسلك؟ بل يستطيع أن يبتكر طريقًا لم يكن موجودًا من قبل. وهذه القدرة الإبداعية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالمعرفة، لأن كل خيار جديد يولد من إعادة تركيب معارف وخبرات سابقة في صورة جديدة.
ومن هنا يمكن القول إن المعرفة ليست مجرد وسيلة لاتخاذ القرار، بل هي البنية التي تجعل القرار ممكنًا أصلًا. فكل قرار هو في جوهره عملية معرفية، تبدأ بإدراك الواقع، ثم تفسيره، ثم تصور البدائل، ثم تقدير النتائج المحتملة، ثم الاختيار بينها. وكلما ارتفعت جودة المعرفة، ارتفعت جودة القرار.
ولعل هذا ما يفسر لماذا سعت البشرية عبر تاريخها الطويل إلى اكتساب المزيد من المعرفة. فالمعرفة لم تكن ترفًا فكريًا، بل كانت وسيلة للبقاء أولًا، ثم وسيلة للتقدم لاحقًا. ومنذ أن تعلم الإنسان إشعال النار، وحتى بناء الحضارات والمدن والجامعات ومراكز البحث العلمي، كان الدافع الأساسي هو توسيع حدود الفهم وتوسيع دائرة الإمكان الإنساني.
لقد أدرك الإنسان، بصورة واعية أو غير واعية، أن المعرفة هي المورد الوحيد الذي يزداد بالاستعمال ولا ينقص، وأنها الثروة التي يمكن أن تنتقل من جيل إلى آخر دون أن تفقد قيمتها. بل إن قيمتها تزداد كلما أضيف إليها المزيد من الفهم والخبرة والتجربة.
ولأن الإنسان كائن معرفي، فقد أصبحت المعرفة جزءًا من مشروعه الوجودي. فهو لا يسعى إلى المعرفة فقط ليعرف، بل ليكون أكثر قدرة على الفعل، وأكثر قدرة على الاختيار، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله. ولهذا ارتبطت المعرفة تاريخيًا بالحرية. فكل توسع في المعرفة كان يعني توسعًا في مساحة الممكن، وكل توسع في مساحة الممكن كان يعني درجة أعلى من التحرر.
غير أن هذا التحرر لا يأتي بلا ثمن. فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة ما يمكن إدراكه من تعقيدات وتناقضات وأسئلة جديدة. وما يبدو في البداية توسعًا في الفهم قد يتحول لاحقًا إلى اتساع في مساحة القلق والحيرة والمسؤولية.
ومن هنا يبدأ الانتقال إلى السؤال التالي في هذه السلسلة: إذا كانت المعرفة تحرر الإنسان من الجهل وتوسع قدرته على الفهم والاختيار، فكيف يتحول هذا الاتساع نفسه إلى شكل من أشكال الوعي المضاعف بالواقع؟ وكيف يمكن أن يصبح ما يراه العارف أكثر تعقيدًا مما يراه غيره؟
وهذا ما سنناقشه في المقال القادم: المعرفة بوصفها وعيًا مضاعفًا للواقع.



