حسام عبدو «أبو فراس»… عامان على الرحيل
كتب: وليد العوض
حسام عبدو «أبو فراس»… عامان على الرحيل
كتب: وليد العوض
في التاسع والعشرين من آب، تحل الذكرى الثانية لرحيل الرفيق حسام عبدو «أبو فراس». عامان مضيا، وما زلت أشعر أن رحيله ليس خبراً عابراً يمكن أن تطويه الأيام. ثمة أشخاص يرحلون، لكن حضورهم يبقى عالقاً في تفاصيل المكان والذاكرة، في لحظات الخوف والنجاة، وفي مواقف لا يستطيع الزمن محوها.
أستعيد اليوم حسام، لا من خلال الكلام المعتاد في ذكرى الرحيل، بل من خلال أيام عشناها معاً تحت النار، حين كان الموت قريباً إلى هذا الحد، وحين كانت قيمة الإنسان تُقاس بما يفعله للآخرين في أحلك الظروف.
في تلك الأيام، وبعد خروجي من حصار استمر سبعين يوماً في جمعية الشبان المسيحية، وصلت إلى الرفيق أبو فراس. احتضنني، وكانت الدموع تترقرق في مقلتي كلينا. لم يكن هناك الكثير مما يمكن قوله؛ فالمشهد وحده كان يقول كل شيء.
نقلني أنا وعائلتي إلى شقة كريمة لديه، وقال لنا إن علينا أن نتدبر أمورنا فيها حتى يستقر الوضع. لم يكتفِ بتوفير المكان، بل أخذ يبحث عما نحتاجه، وأحضر لنا الطعام والماء، وهما الشيئان اللذان كنا نفتقدهما لفترات طويلة خلال ذلك الحصار القاسي.
بعد ثلاثة أيام قررت العودة إلى منزلي في تل الهوا، تلك المنطقة الموحشة والخالية من السكان، التي كانت تجوبها الدبابات مراراً وتكراراً، وتفرض عليها الحصار أياماً وأسابيع. كان أبو فراس يقول عنها إنها لا يسكنها إلا «السباع»، لكثرة ما تعرضت له من القصف والتوغل والحصار.
وقد تكرر حصارها خمس مرات، امتد كل منها أسابيع، وكنا في كل مرة نعيش على وقع القصف وانتظار المجهول.
لكن حسام كان حريصاً على أن يصل إليّ.
إذا تمكن من الاتصال اتصل، وإن تعذر ذلك أرسل رسالة هاتفية، وإن انقطعت كل وسائل الاتصال كان يبحث عن طريقة أخرى. وكان، كلما انسحبت الدبابات، وقبل أن يزول الغبار والدخان والنار التي تخلفها وراءها، من أوائل الواصلين إلينا.
كان يأتي ليطمئن علينا.
ثم لا يكتفي بالاطمئنان.
كان يساعدني وبناتي على ترميم ما يمكن ترميمه في البيت، حتى نتمكن من العيش فيه. لم يكن ينظر إلى ما أصابنا باعتباره مصيبتنا وحدنا؛ كان يتعامل معه وكأنه أصابه هو أيضاً.
وهكذا كان أبو فراس.
شهماً، شجاعاً، طيباً، يحمل معنى الرفقة في أبسط صورها وأكثرها صدقاً. لم تكن شجاعته كلاماً، ولا شهامته موقفاً عابراً، بل سلوكاً يومياً يظهر عندما يحتاج الناس إلى من يقف إلى جانبهم.
في آخر حصار، وبعد أن نُسفت الأبراج الملاصقة لمنزلنا، وتطايرت النوافذ والأبواب التي كنا قد أصلحناها معاً أكثر من مرة، نظرنا إلى ما بقي، واتفقنا على ألا نعود إلى ترميم البيت إلا بعد انتهاء الحرب.
كان اتفاقاً بسيطاً، لكنه كان يحمل في داخله أملاً كبيراً: أن تنتهي الحرب، وأن نعود لإصلاح ما تهدم، وأن نستعيد شيئاً من حياتنا.
لكن الحرب لم تنتهِ.
والبيت لم يُرمم.
ورحل أبو فراس.
رحل قبل أن نفي بذلك الاتفاق، وقبل أن تهدأ غزة، وقبل أن نتمكن من إصلاح ما هدمته الطائرات والدبابات.
رحل حسام عبدو بعد أن قصفت الطائرات منزله، فرحل هو وعدد من أفراد أسرته وجيرانه. وواريناه الثرى على عجل في مقبرة ابن مروان، عند مدخل الشجاعية، في مشهد لم يكن يليق برفيق مثله، لكنه كان يليق بواقع غزة التي كانت تودع أبناءها على عجل، تحت النار، وبين الركام.
وبقيت تفاصيله الصغيرة والكبيرة شاهدة عليه: يده التي امتدت في وقت الحاجة، حضنه عند اللقاء، قلقه علينا، اتصالاته ورسائله، وصوله السريع بعد كل انسحاب، ووقوفه إلى جانبنا كلما تهدم شيء.
في الذكرى الثانية لرحيله، لا أريد أن أقول فقط إننا نفتقده ، فالافتقاد كلمة لا تكفي لوصف غياب رفيق عاش معك الخوف والألم والأمل.
أريد أن أقول إن حسام ترك أثراً من النوع الذي لا يزول.
تركه في قلوب رفاقه، وفي ذاكرة عائلته، وفي كل بيت مدّ إليه يداً في لحظة عسيرة.
كان أبو فراس فارساً شهماً، شجاعاً، طيباً، حاملاً لهذه القيم في حياته ومواقفه. لم تكن هذه الصفات مجرد ما نقوله عنه اليوم لأنه رحل؛ كانت ما عرفناه فيه حين كان بيننا، وفي الأيام التي كان يمكن للإنسان فيها أن ينكفئ على نفسه، لكنه اختار أن يمد يده للآخرين.
رحل جسده، لكن صورته ما زالت حاضرة.
وما زلت، كلما تذكرت تلك الأيام، أراه قادماً قبل أن يزول الغبار، يسألنا كما كان يفعل دائماً:
كيف أنتم؟
عامان مضيا يا أبا فراس، وما زال السؤال حاضراً، وما زالت صورتك حاضرة، وما زالت يدك التي امتدت إلينا في أصعب الأيام حاضرة في الذاكرة.
ستبقى حاضراً بين رفاقك، كما كنت دائماً… رفيقاً لا يغيب.
29-8-2026



