محمد دحلان و«اليوم التالي» في غزة

بين قنوات واشنطن وحماس: عودة سياسية أم إعادة تشكيل لموازين النفوذ الفلسطيني؟

أغسطس 23, 2026 - 09:53
محمد دحلان و«اليوم التالي» في غزة

محمد دحلان و«اليوم التالي» في غزة
بين قنوات واشنطن وحماس: عودة سياسية أم إعادة تشكيل لموازين النفوذ الفلسطيني؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أعاد الحضور المتزايد لمحمد دحلان في ملف قطاع غزة فتح نقاش فلسطيني وإقليمي واسع حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه في مرحلة ما بعد الحرب، وما إذا كان هذا الدور يندرج في إطار الوساطة والاتصالات السياسية والإنسانية، أم أنه يمثل محاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي داخل الساحة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة.
وقد اكتسب هذا النقاش زخماً بعد تداول تقرير للصحفي الإسرائيلي جاكي حوجي، المتخصص في الشؤون العربية، تحدث فيه عن تنامي دور دحلان في الاتصالات المتعلقة بغزة، وربط بين علاقاته مع دوائر أمريكية وإقليمية وبين اتصالاته مع حركة حماس.
غير أن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين المعلومات المثبتة، والتقديرات السياسية، والاستنتاجات الإعلامية، وعدم التعامل مع كل ما يرد في التقارير الصحفية باعتباره حقيقة نهائية أو اتفاقاً سياسياً مكتمل الأركان.
ما الذي يمكن تثبيته؟
الثابت أن دحلان بات حاضراً في بعض قنوات الاتصال المتعلقة بغزة. فقد ظهر اسمه في سياق اتصالات مع الجانب الأمريكي، كما تحدث بنفسه في الثاني من آب/أغسطس عن اتصالات مع جاريد كوشنر بشأن وقف الهجمات الإسرائيلية ومسار التفاوض حول وثيقة البنود الخمسة عشر. لكن دحلان عدّل لاحقاً صياغة منشوره، من القول إن كوشنر أبلغه باتفاق إسرائيلي على وقف الهجمات، إلى القول إن كوشنر «يعمل مع الجانب الإسرائيلي» لوقفها، الأمر الذي يؤكد ضرورة التعامل بحذر مع الروايات المنقولة عن قنوات الاتصال غير الرسمية.
كما أن اللقاءات الأمريكية مع قيادة حماس في القاهرة، والتي شارك فيها كوشنر في آب/أغسطس الجاري، تؤكد أن واشنطن أصبحت منخرطة بصورة مباشرة في البحث عن ترتيبات المرحلة التالية في غزة، بما في ذلك قضايا نزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والإدارة المدنية وإعادة الإعمار.
لكن هذه المعطيات لا تعني، حتى الآن، أن دحلان أصبح ممثلًا رسمياً للفلسطينيين، أو أنه يتولى إدارة قطاع غزة، أو أن هناك اتفاقاً نهائياً على إسناد إدارة القطاع إليه.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة: تفصيل لا يجوز تجاهله
من المهم في هذا السياق عدم إغفال حقيقة أن هناك بالفعل لجنة وطنية فلسطينية لإدارة غزة تضم شخصيات مهنية وتكنوقراطية، وقد بدأت أعمالها في كانون الثاني/يناير 2026، وأعلنت استعدادها لتولي المسؤوليات المدنية في القطاع. وتقول اللجنة في موقعها الرسمي إنها هيئة انتقالية لتقديم الخدمات العامة والإشراف على الإدارة المدنية والتعافي وإعادة الإعمار، في إطار التفويض المرتبط بقرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة السلام الأمريكية.
وهذه الحقيقة تضع حدوداً مهمة أمام بعض المبالغات التي توحي بأن مستقبل غزة قد حُسم لمصلحة شخصية سياسية بعينها.
فالمشهد أكثر تعقيداً؛ إذ توجد لجنة تكنوقراطية، وفصائل فلسطينية، وسلطة وطنية، وحركة حماس، ودول عربية، والولايات المتحدة، وإسرائيل، ومؤسسات دولية، وكل طرف يحاول التأثير في صياغة «اليوم التالي».
لماذا يبرز دحلان؟
تكمن أهمية دحلان في امتلاكه مجموعة من عناصر القوة التي تجعله قابلاً للحضور في هذا المشهد، وفي مقدمتها معرفته العميقة بقطاع غزة، وخبرته السابقة في أجهزة السلطة وحركة فتح، وشبكة علاقاته الإقليمية، وقدرته على التواصل مع أطراف سياسية لا تملك السلطة الفلسطينية أو حماس قنوات اتصال مماثلة معها.
وهذا تحديداً هو مصدر قوته السياسية.
فهو لا يدخل إلى المعادلة من موقع رسمي فلسطيني، وإنما من خلال شبكة علاقات ووساطات واتصالات يمكن أن تمنحه دوراً يتجاوز موقعه التنظيمي الحالي.
وقد يكون هذا الدور مفيداً في بعض الملفات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفتح قنوات اتصال غير مباشرة أو تسهيل تفاهمات إنسانية وسياسية. لكنه في الوقت ذاته يثير سؤالاً مشروعاً حول حدود الدور: هل هو دور وسيط؟ أم مستشار؟ أم شريك في صياغة ترتيبات سياسية؟ أم طموح للعودة إلى مركز القرار الفلسطيني؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالانطباعات، وإنما بما ستكشفه التطورات المقبلة.
حماس ودحلان: براغماتية لا تعني تحالفاً
أما العلاقة بين دحلان وحماس، فمن الخطأ قراءتها باعتبارها تحالفاً سياسياً مستقراً.
التاريخ بين الطرفين حافل بالصدام، ولا تزال التناقضات السياسية والتنظيمية عميقة. لكن السياسة في مراحل الأزمات لا تقوم دائماً على الصداقة أو الخصومة، وإنما على المصلحة والحاجة المتبادلة.
حماس تحتاج إلى قنوات إقليمية ودولية، خصوصاً في ظل النقاش حول مستقبل غزة ونزع السلاح وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم. ودحلان يمتلك بعض هذه القنوات.
وفي المقابل، فإن أي دور لدحلان داخل غزة يحتاج إلى قبول فلسطيني وإقليمي، ولا يمكن فرضه بمجرد وجود علاقات دولية أو إقليمية.
ومن هنا فإن التواصل بين الطرفين، إذا ثبت واتسع، ينبغي فهمه باعتباره براغماتية سياسية في ظرف استثنائي، وليس دليلاً تلقائياً على ولادة تحالف استراتيجي بينهما.
العامل الأمريكي والإسرائيلي
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالنظرة الأمريكية والإسرائيلية إلى مستقبل غزة.
الخطة الأمريكية المطروحة للمرحلة المقبلة تربط بين إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية والسياسية ونزع سلاح حماس، فيما لا تزال الخلافات قائمة حول تسلسل الخطوات وشروط الانسحاب الإسرائيلي. وقد أكدت التطورات الأخيرة أن الاتفاق على «اليوم التالي» لم يكتمل بعد، وأن واشنطن تواجه فجوة كبيرة بين الموقف الإسرائيلي والموقف الفلسطيني.
وفي هذا السياق، قد تكون الشخصيات الفلسطينية القادرة على التواصل مع أكثر من طرف موضع اهتمام أمريكي وإقليمي، ومن الطبيعي أن يكون دحلان أحد الأسماء المطروحة.
لكن الاهتمام الأمريكي أو الإسرائيلي بشخصية فلسطينية لا يساوي تفويضاً فلسطينياً لها.
وهذه نقطة جوهرية ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج الإعلامي.
الخطر الحقيقي: إدارة غزة أم إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني؟
السؤال الاستراتيجي الأهم لا ينبغي أن يكون: «هل سيعود دحلان إلى غزة؟»، بل: ما طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي سيولد بعد الحرب؟
فإذا تحولت ترتيبات إعادة إعمار غزة إلى عملية سياسية منفصلة عن الضفة الغربية والقدس ومنظمة التحرير، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الانقسام بصورة أكثر خطورة.
أما إذا استُخدمت المرحلة الانتقالية لإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشرعية الشعبية والانتخابات، فإن مشاركة مختلف القوى والشخصيات، بمن فيها دحلان، يمكن أن تصبح جزءاً من عملية سياسية وطنية لا تهدد وحدة النظام السياسي.
المشكلة ليست في وجود دحلان في المشهد، كما أنها ليست في مشاركة حماس، ولا في بقاء السلطة الفلسطينية؛ المشكلة في أن تتحول الخلافات الفلسطينية إلى أدوات بيد الأطراف الإقليمية والدولية.
فلسطينياً: المطلوب مرجعية وطنية لا مراكز نفوذ
المصلحة الوطنية الفلسطينية تقتضي أن تكون إدارة غزة جزءاً من مشروع وطني شامل، لا مشروعاً منفصلاً للقطاع.
وهذا يتطلب إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإجراء انتخابات عامة عندما تتوافر شروطها، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير والدولة الفلسطينية، بحيث تصبح المرحلة الانتقالية في غزة طريقاً إلى توحيد المؤسسات لا تكريس الانفصال.
كما أن أي شخصية فلسطينية، مهما كانت علاقاتها أو إمكاناتها، يجب أن تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية، وليس من الدعم الخارجي.
وهنا لا بد من التأكيد على أن هذا المبدأ ينطبق على الجميع: على دحلان، وعلى حركة حماس، وعلى حركة فتح، وعلى السلطة الفلسطينية، وعلى أي تيار أو شخصية سياسية أخرى.
الخلاصة
عودة محمد دحلان إلى واجهة المشهد الفلسطيني ليست حدثاً عابراً، لكنها أيضاً ليست دليلاً على أن ترتيبات غزة قد حُسمت لمصلحته.
المؤكد أن دحلان يمتلك أدوات تأثير حقيقية، وأنه حاضر في بعض قنوات الاتصال المتعلقة بغزة، وأن علاقاته الإقليمية والدولية تمنحه قدرة على الحركة السياسية لا يمكن تجاهلها. كما أن التطورات الأخيرة تؤكد وجود مساعٍ أمريكية وإقليمية لإعادة تشكيل ترتيبات الحكم والأمن والإعمار في القطاع.
لكن من المبكر سياسياً الجزم بأنه سيكون حاكم غزة أو صاحب القرار فيها.
المشهد لا يزال مفتوحاً على عدة احتمالات، وما يجري حالياً هو صراع على شكل «اليوم التالي» أكثر منه صراع على اسم شخص واحد.
والرهان الفلسطيني الحقيقي يجب ألا يكون على أي شخصية منفردة، وإنما على بناء نظام سياسي يستوعب الجميع، ويحتكم إلى الشعب، ويحمي القرار الوطني المستقل، ويمنع تحويل غزة إلى ساحة نفوذ إقليمي أو دولي.
فإذا كان دحلان جزءاً من الحل، فيجب أن يكون ذلك ضمن إطار فلسطيني شرعي وشفاف. وإذا كانت حماس جزءاً من المستقبل السياسي، فيجب أن يكون ذلك عبر قواعد وطنية وديمقراطية متوافق عليها. وإذا كانت السلطة الفلسطينية ستعود إلى غزة، فعليها أن تعود ضمن عملية إصلاح حقيقية تعيد ثقة المواطن وتعيد بناء المؤسسات.
أما تحويل «اليوم التالي» إلى صفقة بين مراكز نفوذ وشخصيات وقوى خارجية، فسيكون أخطر من الحرب نفسها؛ لأنه قد ينقل الصراع الفلسطيني من مرحلة الانقسام إلى مرحلة إعادة هندسة الانقسام بأدوات إقليمية ودولية.
والخيار الاستراتيجي الأكثر عقلانية يبقى واضحاً: غزة جزء لا يتجزأ من فلسطين، وإعادة إعمارها يجب أن تكون مدخلاً لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، لا مدخلاً لإعادة توزيع النفوذ على حساب وحدة القرار والتمثيل والشرعية الوطنية.
المحامي علي أبو حبلة