أمينة حامد.. من عجينة الانتفاضة إلى مشروع يحمل نكهة أيام زمان
إعداد: جنى دروبي
في أحد منازل شوفة، جنوب شرقي طولكرم، تجلس أمينة حامد أمام فرنها، تتابع أرغفة الخبز وهي تكتسب لونها الذهبي، بينما تتنقل بين إعداد العجين وتجهيز الطلبات التي أصبحت جزءًا من تفاصيل يومها. هنا، لا تُقاس قيمة الخبز بمكوناته فقط، إنّما بما يحمله من ذاكرة تعود إلى سنوات صعبة، حين بدأت أمينة تتعلم العجن والخبز في ظروف الانتفاضة الأولى، قبل أن يتحول ما تعلمته داخل منزلها إلى مشروع يرافقها منذ سنوات.
عادت أمينة إلى فلسطين من الكويت عام 1986، وكانت في بداية حياتها الأسرية، قبل أن تندلع الانتفاضة الأولى عام 1987 وتفرض ظروفًا جديدة على الأهالي، مع إغلاق الطرق ومنع التجول وصعوبة الوصول إلى الأسواق. في ذلك الوقت، أصبحت صناعة الخبز في المنزل ضرورة أكثر منها خيارًا، ووجدت أمينة نفسها أمام مهمة لم تكن تعرفها من قبل.
تقول أمينة لـ(تلفزيون كل الناس) "لم أكن أعرف العجن، ولم أعتد على إعداد الخبز في المنزل. كانت والدتي ماهرة في صنع الخبز، لكنني لم أكن أساعدها في ذلك، فقد كانت حياتي تقتصر على المدرسة والعودة إلى المنزل، لذلك لم تكن لدي خبرة في هذا المجال."
وبينما تخرج أمينة الأرغفة من الفرن، وتضعها جانبًا قبل تجهيزها للزبائن، تواصل الحديث عن بداياتها مع العجين، وتقول "كنت أحاول إعداد العجين، فكانت تنجح معي أحيانًا، وأحيانًا أخرى لا أصل إلى النتيجة التي أريدها." ومع تكرار المحاولات، بدأت أمينة تكتسب خبرةً أكبر في التعامل مع العجين، فيما شكّل تعليق إحدى النساء حافزًا لها لتتعامل مع الأمر كتحدٍّ شخصي، وتواصل التدريب حتى تمكنت من إتقانه وتحسين جودة الخبز الذي تعدّه.
ومع استمرار الانتفاضة الثانية، عاد الطحين ليكون حاضرًا بقوة في حياة الأهالي، فكان يُوزع عليهم بأسعار رمزية ضمن برامج العمل مقابل الغذاء. إلا أن بعض الأسر لم تكن تعرف الطريقة المناسبة للاستفادة منه، فبدأت أمينة تتعامل معه وفق أسلوبها الخاص، وتقدم الخبز للآخرين دون مقابل في البداية.
وبعد أن تضع أمينة الأرغفة جانبًا، تعود إلى العجين، تضيف مكوناته وتبدأ بخلطه، مستعرضةً الطريقة التي تعلمت من خلالها التعامل مع الطحين الذي كان يُوزع على الأهالي، وتقول "كان شوال الطحين، الذي يزيد وزنه على مئة كيلوغرام، يُباع بعشرة شواكل فقط، وكنت أشعر بالحزن عندما أرى بعض الناس يتخلصون منه، لذلك قررت أن أستفيد منه وأبحث عن طريقة مناسبة لإعداده بدلًا من أن يضيع".
وتضيف "تعلمت أن لكل تفصيل أثرًا في نجاح العجينة، من كمية الملح إلى نوع الخميرة وطريقة استخدامها، وحتى أسلوب العجن نفسه، وكلما جربت أكثر أصبحت أعرف كيف أصل إلى النتيجة التي أريدها."
تبدأ أمينة بتشكيل قطع العجين واحدةً تلو الأخرى، تحرص على تقارب أحجامها، قبل أن تجهزها للخبز، فيما تواصل العمل بالطريقة التي أتقنتها بعد سنوات من التجربة. ومع استمرارها في إعداد الخبز، بدأت النساء في المنطقة يطلبن منها تحضيرَه لهن، ليتحول ما تعلمته داخل منزلها تدريجيًا إلى عملٍ تحصل من خلاله على أجر، ويدفعها لاحقًا إلى التفكير في إنشاء مشروعها الخاص
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، شكّل افتتاح النادي النسوي في المنطقة فرصة جديدة أمامها، خصوصًا مع بدء الجمعيات والمؤسسات بتنظيم الفعاليات والموائد والمعارض، فكانت تحضر بخبزها وعجينها وتشارك في إعداد الطعام، ثم بدأت ببيع منتجاتها للزوار، لتتحول هذه المشاركات تدريجيًا إلى وسيلة للتعريف بعملها والوصول إلى زبائن جدد.
ومع كل فعالية، كانت دائرة علاقاتها تتسع، فبدأت أمينة بالتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات، وشاركت في معارض داخل فلسطين وخارجها، حتى وصلت منتجاتها إلى بيرزيت والأردن والكويت، قبل أن تتوقف مشاركات كثيرة مع انتشار جائحة كورونا. وتقول أمينة لـ(تلفزيون كل الناس) "كنت أحرص على المشاركة في كل معرض أرى أنه مناسب لعملي، لأنها كانت تتيح لي التعرف إلى أشخاص جدد، والوصول إلى زبائن وأماكن لم تكن منتجاتي قد وصلت إليها من قبل. ومع الوقت، أصبحت أشعر أن كل مشاركة تفتح أمامي بابًا جديدًا وتمنحني فرصة لتطوير مشروعي."
ومع اتساع تجربتها، وجدت أمينة مساندة من جهات مختلفة أسهمت في انتقال مشروعها من إمكاناتٍ منزلية محدودة إلى مرحلةٍ أكثر استقرارًا، وتقول "جاءني دعم من جمعية تنمية المرأة ووزارة الزراعة، وأشكر الأخت تحرير ضراغمة، والأخ فراس فحماوي، وكذلك الأخت أم حمزة والأخت أمل إبلان من جمعيات التوفير والتسليف. كانت هذه المساندة مهمة جدًا بالنسبة لي، لأنها منحتني دافعًا للاستمرار، وساعدتني على تطوير عملي بدل أن أبقى عند الإمكانات البسيطة التي بدأت بها."
اليوم، أصبح مشروع أمينة مصدر دخلٍ يومي يمنحها قدرةً أكبر على الاعتماد على نفسها، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وصعوبة التنقل التي أثرت في حركة العمل. ومع استقرار المشروع، بدأت أمينة تتطلع إلى توسيع نطاق عملها، مستفيدةً من الخبرة التي راكمتها خلال سنوات العمل".
تعود أمينة إلى عملها، تتفقد ما تحتاج إليه من أدوات، وتواصل تجهيز طلباتها، فيما تتطلع إلى وسائل تساعدها على زيادة قدرتها على الإنتاج. وتقول "عندما وجدت من يساندني ويشجعني، أصبحت أفكر بطريقة أكبر، ولم أعد أريد أن يبقى مشروعي كما بدأ. أطمح إلى شراء العجانة والقطاعة، وتأمين سيارة تساعدني على الوصول إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها حاليًا، حتى أزيد الإنتاج وأتمكن من تشغيل أشخاص آخرين معي."
ورغم توجهها نحو تطوير أدوات العمل، تحافظ أمينة على الطريقة التقليدية في إعداد العجين، وترى أن سر تميز منتجاتها لا يكمن في شكل الخبز وحده، إنّما في النكهة التي تحمل معها مذاقًا ارتبط في ذاكرة الناس بأيامهم القديمة. وتقول "أحيانًا يأكل الإنسان شيئًا بعد أربع أو خمس سنوات، ويبقى طعمه حاضرًا في فمه، وهذا ما أبحث عنه في عملي. أريد أن تكون للخبز نكهة يتذكرها الناس، لأن الطعام ليس شكلًا فقط، وإنما هو طعم ونفس أيضًا."
ولا تزال أمينة تفضّل العجن اليدوي، رغم ما توفره العجانة من وقتٍ وجهد، فيما يزداد ضغط العمل عليها خلال شهر رمضان مع كثرة الطلبات. ومع اقتراب موعد تسليمها، تنشغل بتجهيز الصواني ومتابعة ما بداخل الفرن، وتقول مبتسمة "في رمضان لا ألحق أحيانًا حتى أن أطبخ لنفسي، فأغلب وقتي يذهب في تجهيز الطلبات. أحب إعداد الصواني على هذا الفرن، وعندما أضعها فيه وأحمّر وجهها، يكون طعمها مختلفًا تمامًا."
ومن عجينةٍ بدأت أمينة إعدادها في سنوات الانتفاضة الأولى، حين كان الخبز ضرورةً فرضتها الظروف، إلى مشروعٍ أصبح مصدر رزقٍ وحضورًا في المعارض والمؤسسات، بنت أمينة حامد تجربتها خطوةً بعد أخرى، وحولت مهارةً تعلمتها في ظروفٍ صعبة إلى عملٍ تسعى إلى تطويره والحفاظ على طابعه التقليدي في الوقت نفسه. وتختتم حديثها لـ(تلفزيون كل الناس) بالقول "أشعر أن ما وصلت إليه نعمة في حياتي، وأتمنى من كل امرأة لديها مشروع ألا تخجل من بدايتها، إنّما أن تثابر وتطور نفسها وعملها، لأن المشروع الصغير يمكن أن يصبح كبيرًا إذا واصلت صاحبة المشروع العمل والصبر."
إعداد: جنى دروبي



